|
كتب رياض الفرطوسي
في الوطن نكتشف المنفى، وفي المنفى نكتشف أن الطمأنينة الكاملة قد تكون أحياناً نوعاً فاخراً من العقاب الممنهج. لطالما استعدت جملة عبد الرحمن منيف وأنا أراقب طواحين الهواء في هولندا، وأتأمل حال ذلك الصديق الذي عاش سنوات في هذا الفردوس المستعار، قبل أن يفاجئ الجميع بحزم حقائبه ومغادرته، عائداً إلى العراق. لقد قرر العودة لأن العيش في الغرب حوّله، وحوّلنا جميعاً، إلى كائنات معقمة في مختبر شديد النظافة.
من مساوئ العيش في هولندا، هذه البلاد التي تكاد تخلو من "الأكشن"، أن كل شيء متوقع ومحسوب بدقة تثير الغثيان. أن تفيق وتنام وتأكل بمواعيد يحددها لك قطار لا يتأخر دقيقة واحدة. هنا، يستطيع المواطن أن يغلق الباب في وجه الملك ويعتذر له لأن موعد مسلسله المفضل قد حان، فيبتسم الملك ويرحل على دراجته الهوائية. هذا التواضع المستفز يجرّد السلطة من هيبتها؛ أين المواكب؟ أين الرصاص الطائش؟ أين إغلاق الشوارع لساعات لأن مسؤولاً صغيراً قرر أن يتناول طعام الإفطار؟
هنا، في بلاد التوليب (الزهرة الوطنية لهولندا)، يكمن القتل الحقيقي في التفاصيل الباردة. الدولة مؤسسة محايدة تعمل بالتسيير الذاتي، لدرجة أن الناس لا يعرفون اسم رئيس الوزراء إلا مصادفة. عندما يخسر حزب في الانتخابات، يتبادل القادة الزهور والنكات، ويذهبون معاً لشرب البيرة. لا أحد يحرق مدينة، ولا أحد يهدد بفتح أبواب الجحيم. هذا الهدوء السياسي يصيب المرء القادم من الشرق بأزمة هوية؛ كيف يعيش الإنسان في بلد لا يخاف فيه من غدٍ مجهول؟
حتى الحنين هنا ممنوع من ممارسة طقوسه بحرية. ذات مساء رمادي، جلس الصديق في شرفته بأمستردام، وضربت رأسه نوبة شجن عتيق، فشرع يغني من أعماق قلبه، يجرّ الآهات ويبكي على أطلال عمرٍ مضى. بعد دقائق، طُرقت الباب بلطف. كانت الجارة الهولندية تقف بقلق وتسأل إن كان بحاجة إلى طبيب نفسي، أو إذا ما كان يعاني من خطب ما. قال لها ضاحكاً والدموع في عينيه: "أنا لا أموت، أنا فقط أطرب!". نظرت إليه بشفقة ومضت، ولم تدرك أن الغناء لدينا هو مرادف البكاء، وأننا لا نعرف كيف نفرح دون مسحة من النكد.
ومن أسوأ مساوئ هذا الفردوس البارد، أن القانون يحميك من كل شيء حتى من عواطفك المفاجئة. كل خطوة في الحياة يجب أن تُسجل في مفكرة "الأجندة". إذا أردت أن تزور صديقاً، عليك أن تحجز موعداً قبل أسبوعين. حتى الحب والزواج وقطع العلاقات، تمر عبر قنوات عقلانية باردة بلا تدخل من شيخ أو مختار الحي أو عمام يقلبون الطاولة في العرس. كل شيء نظيف ومخطط له، لدرجة تشعرك أنك تدير شركة استثمارية وليس حياة إنسانية مليئة بالأخطاء والشغف.
أتذكر أنه قرأ يوماً خبراً في الصحيفة المحلية بالخط العريض: "مأساة إنسانية في أوترخت". ارتجف قلبه وتوقع انفجاراً أو كارثة، ليتضح أن المأساة هي أن بطة برية ضلت طريقها ودهسها راكب دراجة مسرع، وتجري الآن تحقيقات لمعرفة إن كان الدراج قد تعمد ذلك لكي يُحاكَم بتهمة القسوة ضد الطبيعة! تذكر الصديق الدماء المتروكة على الأرصفة في بلادنا بلا ثمن، وكيف نموت هناك بالجملة دون أن يرف جفن للمدينة، وهنا يُقام عزاء وطني من أجل ريشة بطة.
في المراقص والصالونات هنا، الموسيقى تصخب والأضواء الملونة تومض وتنطفئ بسرعة، والناس يضحكون بعفوية. لكن بالنسبة لشخص قادم من أمكنة متوحشة، فإن مدافع الحروب القديمة تظل تدوي في الرأس، وسيارات نقل الموتى تتداخل مع أجساد الراقصين الشقر والسمر الفارين من كل فجاج الأرض. كان الماضي يحتج بقسوة على بهجة الحاضر، كأن الكائن الجديد الذي يحاول أن يولد في عالم هادئ، يجد نفسه محاصراً بذئابه القديمة.
تعب الصديق من العيش في بلد يحرم فيه القانون الشرطي من حمل مسدسه كي لا يخيف المارة، بلد يعالج المجرمين نفسياً قبل أن يفكر في عقابهم. تعب من هذا الوضوح الهولندي الزائد عن اللزوم، وقرر فجأة أن يعود إلى هناك.
لقد اختار بكامل إرادته العودة إلى المكان الذي يأكل فيه الناس بعضهم بعضاً في وقت الفراغ، وينافق فيه البعض على البعض الآخر كطقس يومي معتاد. عاد لينتظر جوقة المتربصين والوشاة ، والفضوليين، والتافهين، والسطحيين الذين يملؤون الشوارع والمقاهي. اختار أن يعيش بلا كهرباء، ويشرب ماءً ملوثاً، ويتعامل مع عقول ملوثة بالزبائنية السياسية والولاءات الضيقة. ترك لهم الطواحين، والتوليب، والأنظمة الذكية، وقرر أن يلقي بنفسه في قلب الفوضى الشرسة.. هناك، حيث للموت والحياة صراع حقيقي لا يهدأ.
كتب رياض الفرطوسي في الوطن نكتشف المنفى، وفي المنفى نكتشف أن الطمأنينة الكاملة قد تكون أحياناً نوعاً فاخراً من العقاب الممنهج. لطالما استعدت جملة عبد الرحمن منيف وأنا أراقب طواحين الهواء في هولندا، وأتأمل حال ذلك الصديق الذي عاش سنوات في هذا الفردوس المستعار، قبل أن يفاجئ الجميع بحزم حقائبه ومغادرته، عائداً إلى العراق. لقد قرر العودة لأن العيش في الغرب حوّله، وحوّلنا جميعاً، إلى كائنات معقمة في مختبر شديد النظافة.
من مساوئ العيش في هولندا، هذه البلاد التي تكاد تخلو من "الأكشن"، أن كل شيء متوقع ومحسوب بدقة تثير الغثيان. أن تفيق وتنام وتأكل بمواعيد يحددها لك قطار لا يتأخر دقيقة واحدة. هنا، يستطيع المواطن أن يغلق الباب في وجه الملك ويعتذر له لأن موعد مسلسله المفضل قد حان، فيبتسم الملك ويرحل على دراجته الهوائية. هذا التواضع المستفز يجرّد السلطة من هيبتها؛ أين المواكب؟ أين الرصاص الطائش؟ أين إغلاق الشوارع لساعات لأن مسؤولاً صغيراً قرر أن يتناول طعام الإفطار؟
هنا، في بلاد التوليب (الزهرة الوطنية لهولندا)، يكمن القتل الحقيقي في التفاصيل الباردة. الدولة مؤسسة محايدة تعمل بالتسيير الذاتي، لدرجة أن الناس لا يعرفون اسم رئيس الوزراء إلا مصادفة. عندما يخسر حزب في الانتخابات، يتبادل القادة الزهور والنكات، ويذهبون معاً لشرب البيرة. لا أحد يحرق مدينة، ولا أحد يهدد بفتح أبواب الجحيم. هذا الهدوء السياسي يصيب المرء القادم من الشرق بأزمة هوية؛ كيف يعيش الإنسان في بلد لا يخاف فيه من غدٍ مجهول؟
حتى الحنين هنا ممنوع من ممارسة طقوسه بحرية. ذات مساء رمادي، جلس الصديق في شرفته بأمستردام، وضربت رأسه نوبة شجن عتيق، فشرع يغني من أعماق قلبه، يجرّ الآهات ويبكي على أطلال عمرٍ مضى. بعد دقائق، طُرقت الباب بلطف. كانت الجارة الهولندية تقف بقلق وتسأل إن كان بحاجة إلى طبيب نفسي، أو إذا ما كان يعاني من خطب ما. قال لها ضاحكاً والدموع في عينيه: "أنا لا أموت، أنا فقط أطرب!". نظرت إليه بشفقة ومضت، ولم تدرك أن الغناء لدينا هو مرادف البكاء، وأننا لا نعرف كيف نفرح دون مسحة من النكد.
ومن أسوأ مساوئ هذا الفردوس البارد، أن القانون يحميك من كل شيء حتى من عواطفك المفاجئة. كل خطوة في الحياة يجب أن تُسجل في مفكرة "الأجندة". إذا أردت أن تزور صديقاً، عليك أن تحجز موعداً قبل أسبوعين. حتى الحب والزواج وقطع العلاقات، تمر عبر قنوات عقلانية باردة بلا تدخل من شيخ أو مختار الحي أو عمام يقلبون الطاولة في العرس. كل شيء نظيف ومخطط له، لدرجة تشعرك أنك تدير شركة استثمارية وليس حياة إنسانية مليئة بالأخطاء والشغف.
أتذكر أنه قرأ يوماً خبراً في الصحيفة المحلية بالخط العريض: "مأساة إنسانية في أوترخت". ارتجف قلبه وتوقع انفجاراً أو كارثة، ليتضح أن المأساة هي أن بطة برية ضلت طريقها ودهسها راكب دراجة مسرع، وتجري الآن تحقيقات لمعرفة إن كان الدراج قد تعمد ذلك لكي يُحاكَم بتهمة القسوة ضد الطبيعة! تذكر الصديق الدماء المتروكة على الأرصفة في بلادنا بلا ثمن، وكيف نموت هناك بالجملة دون أن يرف جفن للمدينة، وهنا يُقام عزاء وطني من أجل ريشة بطة.
في المراقص والصالونات هنا، الموسيقى تصخب والأضواء الملونة تومض وتنطفئ بسرعة، والناس يضحكون بعفوية. لكن بالنسبة لشخص قادم من أمكنة متوحشة، فإن مدافع الحروب القديمة تظل تدوي في الرأس، وسيارات نقل الموتى تتداخل مع أجساد الراقصين الشقر والسمر الفارين من كل فجاج الأرض. كان الماضي يحتج بقسوة على بهجة الحاضر، كأن الكائن الجديد الذي يحاول أن يولد في عالم هادئ، يجد نفسه محاصراً بذئابه القديمة.
تعب الصديق من العيش في بلد يحرم فيه القانون الشرطي من حمل مسدسه كي لا يخيف المارة، بلد يعالج المجرمين نفسياً قبل أن يفكر في عقابهم. تعب من هذا الوضوح الهولندي الزائد عن اللزوم، وقرر فجأة أن يعود إلى هناك.
لقد اختار بكامل إرادته العودة إلى المكان الذي يأكل فيه الناس بعضهم بعضاً في وقت الفراغ، وينافق فيه البعض على البعض الآخر كطقس يومي معتاد. عاد لينتظر جوقة المتربصين والوشاة ، والفضوليين، والتافهين، والسطحيين الذين يملؤون الشوارع والمقاهي. اختار أن يعيش بلا كهرباء، ويشرب ماءً ملوثاً، ويتعامل مع عقول ملوثة بالزبائنية السياسية والولاءات الضيقة. ترك لهم الطواحين، والتوليب، والأنظمة الذكية، وقرر أن يلقي بنفسه في قلب الفوضى الشرسة.. هناك، حيث للموت والحياة صراع حقيقي لا يهدأ.
|