|
كتب رياض الفرطوسي
ليست المشكلة في ما نراه، بل في الأداة التي نرى بها.
فالعدسة، حين تُخدش، لا تعكس الواقع كما هو، بل كما تسمح به شقوقها.
في المشهد الخليجي، ثمة عدسة واحدة تكاد تحتكر الرؤية. اسمها إيران.
كل حدث، مهما كان بعيداً أو معقداً، يُسحب إليها كما تُسحب الخيوط إلى مركز واحد. احتجاج داخلي، ارتباك اقتصادي، توتر إقليمي، حتى تحولات العالم الكبرى، تُقرأ بوصفها فصلاً إضافياً في رواية واحدة، عنوانها الخطر الإيراني.
لكن هذا التفسير، رغم بساطته المغرية، يخفي عطباً أعمق.
إنه ليس خطأ في التحليل بقدر ما هو خلل بنيوي في زاوية النظر نفسها. زاوية ضيقة، ثابتة، مريحة، لأنها تعفي العقل من مواجهة الفوضى الحقيقية في الداخل.
في كتاباته عن “مجتمع المخاطر”، يشرح أولريش بيك كيف تميل المجتمعات إلى اختراع مخاطر واضحة المعالم لتفادي مواجهة مخاطرها الأكثر تعقيداً وغموضاً. الخطر الخارجي، في هذه الحالة، ليس وهماً تماماً، لكنه يتحول إلى مركز مبالغ فيه، لأنه أسهل في التفسير وأقل كلفة في المواجهة.
وهكذا، تصبح إيران تفسيراً جاهزاً، لا لأنها تفسر كل شيء فعلاً، بل لأنها تمنح إحساساً بالنظام وسط الفوضى.
بدلاً من الاعتراف بأن المنطقة تغلي بأسئلة لم تُحسم، من هوية معلقة بين التقليد والعولمة، إلى أنظمة سياسية تواجه زمن التحولات، إلى أجيال جديدة لا تشبه آباءها، يتم اختزال كل ذلك في “فاعل خارجي”.
في مقالات تحليلية غربية، من صحف مثل فايننشال تايمز ونيويورك تايمز، يظهر توصيف مختلف. لا إنكار لدور إيران الإقليمي، بل وضعه ضمن شبكة أوسع من الأزمات البنيوية في الشرق الأوسط، هشاشة الدولة، الاقتصاد الريعي، غياب التمثيل السياسي، وتآكل العقد الاجتماعي.
بمعنى آخر، إيران لاعب، لكنها ليست المسرح كله.
هذا الفارق في القراءة ليس بريئاً.
المحلل الذي ينطلق من عدسة واحدة، لا يرى إلا ما يؤكدها. وهنا، يتحول التحليل إلى تكرار. جملة تتبدل كلماتها، لكن معناها ثابت. ومع الوقت، يفقد الخطاب قدرته على التفسير، ويصبح مجرد صدى.
حنة أرندت، وهي تتأمل في طبيعة الأنظمة المغلقة، حذرت من هذا النمط من التفكير، حيث تتحول الفكرة الواحدة إلى إطار شامل يبتلع الواقع، ويعيد تشكيله على صورته. الخطر هنا ليس في الخطأ، بل في اليقين المفرط.
في الخليج، تتزاحم الأزمات، لكنها لا تحظى بالقدر ذاته من الضوء.
أزمة الهوية، حيث يتصارع المحلي والعالمي.
أزمة السياسة، حيث تتباطأ التحولات أمام عالم يتسارع.
أزمة الاقتصاد، حيث يطرح ما بعد النفط أسئلة ثقيلة.
وأزمة الأجيال، حيث يتشكل وعي جديد لا يجد نفسه في السرديات القديمة.
كل هذه القضايا لا يمكن تفسيرها بإيران.
لكن العدسة، حين تضيق، لا تسمح برؤية هذا الاتساع.
الإعلام يلعب دور الحارس لهذه العدسة. يكرر الصورة حتى تصبح بديهية، يعيد إنتاج الخوف حتى يتحول إلى عادة ذهنية. ومع الوقت، لا يعود السؤال هل هذا التفسير صحيح، بل لماذا لا نراه في كل مكان.
أما “المحلل الوظيفي”، فهو ابن هذه البيئة. لا يبتكر زاوية، بل يتبناها. لا يغامر بالسؤال، بل يعيد صياغة الإجابة. صوته مرتفع، حضوره دائم، لكنه يدور في مساحة محددة سلفاً. كأنه يتحرك داخل غرفة مليئة بالمرايا، يرى الشيء ذاته من زوايا متعددة، فيظن أنه يرى عالماً واسعاً.
في المقابل، يغيب الصوت المختلف. ليس لأنه غير موجود، بل لأنه غير مسموح له بالظهور. وهذا الغياب، كما يشير ميشيل فوكو، ليس فراغاً، بل نتيجة نظام يحدد ما يمكن قوله. ما لا يُقال هنا، هو ما يكشف عمق الأزمة.
المفارقة القاسية أن هذه الرؤية لا تحمي، بل تضعف.
لأنها تترك الداخل دون مساءلة، وتؤجل الإصلاح، وتحوّل السياسة إلى رد فعل دائم. العداء، في هذه الحالة، ليس استراتيجية، بل ملاذ نفسي.
سيغموند فرويد وصف آلية “الإسقاط” باعتبارها طريقة ينسب بها الإنسان ما لا يريد الاعتراف به في ذاته إلى الآخر. ربما يحدث شيء مشابه هنا. ما نعجز عن مواجهته في الداخل، نراه متجسداً في الخارج.
لكن العالم لا يعمل بهذه البساطة.
ليس مسرحاً بنص واحد، ولا صراعاً بثنائية واحدة.
الجغرافيا، بكل عنادها، تفرض حقائقها. إيران ليست فكرة يمكن محوها، بل جار ثابت. والجار، في السياسة، يمكن أن يكون خصماً أو شريكاً، لكنه لا يختفي. تحويله إلى شيطان مطلق، لا يلغي وجوده، بل يعقّد العلاقة معه.
الخروج من هذا المأزق لا يبدأ بتغيير المواقف، بل بتغيير العدسة.
بتوسيع زاوية النظر، بالاعتراف بأن التفسير الواحد، مهما بدا مريحاً، ليس كافياً.
الكتابة، إن كانت صادقة، لا تبحث عن إجابة جاهزة، بل تفتح الأسئلة المغلقة.
وربما السؤال الأهم هنا ليس ماذا تفعل إيران، بل ماذا نفعل نحن بأنفسنا، حين نختار أن نرى العالم من خلال عدسة الخوف فقط.
كتب رياض الفرطوسي
ليست المشكلة في ما نراه، بل في الأداة التي نرى بها.فالعدسة، حين تُخدش، لا تعكس الواقع كما هو، بل كما تسمح به شقوقها.
في المشهد الخليجي، ثمة عدسة واحدة تكاد تحتكر الرؤية. اسمها إيران.كل حدث، مهما كان بعيداً أو معقداً، يُسحب إليها كما تُسحب الخيوط إلى مركز واحد. احتجاج داخلي، ارتباك اقتصادي، توتر إقليمي، حتى تحولات العالم الكبرى، تُقرأ بوصفها فصلاً إضافياً في رواية واحدة، عنوانها الخطر الإيراني.
لكن هذا التفسير، رغم بساطته المغرية، يخفي عطباً أعمق.إنه ليس خطأ في التحليل بقدر ما هو خلل بنيوي في زاوية النظر نفسها. زاوية ضيقة، ثابتة، مريحة، لأنها تعفي العقل من مواجهة الفوضى الحقيقية في الداخل.
في كتاباته عن “مجتمع المخاطر”، يشرح أولريش بيك كيف تميل المجتمعات إلى اختراع مخاطر واضحة المعالم لتفادي مواجهة مخاطرها الأكثر تعقيداً وغموضاً. الخطر الخارجي، في هذه الحالة، ليس وهماً تماماً، لكنه يتحول إلى مركز مبالغ فيه، لأنه أسهل في التفسير وأقل كلفة في المواجهة.
|