
النبذة التاريخية والتأبينية
المرحوم الحاج حمزة الزغير..أحد رموز الذاكرة الشعبية الكربلائية
استذكاراً لهم.. ومن أيام كنا شباباً صغاراً
"لكي لا يُنسى تراث كربلاء المقدسة"
إهداء من
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام الإلكتروني
"احنه غير حسين ما عدنه وسيلة".. هكذا كانت تنطلق القصائد والمستهلات، هكذا كان يصدح الشعراء في ليالي المحرم، فتمتزج الأصوات بالدموع، وتخترق الكلمات القلوب قبل الآذان.
في زمن كانت فيه المهن البسيطة عنواناً للعطاء، ومن تراث المدينة المقدسة كربلاء، حيث الأماكن المتواضعة مسرحاً للذكريات، يعيش في وجدان أهالي كربلاء المقدسة اسم عطر ونبع صافي لرجل طيب، ترك بصمة في نفوس من عرفوه وعاشروه.
نعم.. ومن عشاق المرحوم الحاج حمزة الزغير، نتذكر أيام الطفولة والشباب، حين كنا نعيش أجواء محرم الحرام بأيامها الحافلة بالمشاعر الجياشة. كانت المجالس تمتد، واللطميات تتصاعد، وأصوات الشعراء تملأ الأرجاء.
ذكريات لا تُنسى ونحن صغار.. كنا ندخل شارع الجمعية القديم، حيث المواكب تتصل بعضها ببعض وصولاً إلى المخيم الحسيني هناك، وكنا نختبئ تحت الربلات والحصون التي كانت على طول طريق الجمعية القديمة وبساتينها تحيط بالمخيم، نستمع إلى القصائد والرثائيات في ليالي المحرم الحزينة.
اليوم، للأسف الشديد، لم نعد نجد هناك من حافظ على هذه المباني وهذه المعالم، التي كانت جزءاً من هويتنا وذاكرتنا الجمعية. تلاشى الكثير، وتغيرت الملامح، لكن تبقى الذكريات محفورة في القلوب.
كان الزمان غير الزمان، وكانت القلوب أكثر صفاءً، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) حاضراً في كل زاوية وزقاق، في كل مجلس ومأتم، في كل بيت وحسينية.
ويذكرنا المرحوم حمزة الزغير، برثائه الصادق، وكلماته التي تخترق الوجدان، وهو يصور لنا مصيبة العقيلة زينب (عليها السلام) وكيف أُحرقت الخيام، وكيف توزعت السبايا بين الأسر. كان صوته يخفت حيناً ويرتفع حيناً، وكأنه يعيش تلك اللحظات الأليمة بنفسه.
هذه الأمور لا تُنسى.. بل يجب أن نتربى عليها نحن، ويجب أن يتربى عليها هذا الجيل الجديد، قبل أن ينهار هذا الجيل تحت وطأة الانحراف والتغريب. علينا أن نصنع منهم جيلاً يحمل راية التاريخ، ويحافظ على التراث الحسيني الكربلائي الأصيل، بنكهته الخاصة، وروحانيته الفريدة، وهويته المتميزة.
من طرائفه وإبداعاته الشعبية
ما يميز الإنسان البسيط هو قدرته على تحويل مهنته اليومية إلى لوحة فنية وإنسانية. ولعل أجمل ما تركه المرحوم حمزة الزغير في ذاكرة أهالي كربلاء هو ذلك البيت الشعري العفوي الذي كتبه دعاية لمحله، والذي لا يزال عالقاً في أذهان من مروا من أمام دكانه:
سَمِعوا يَخوتي صَوتي
عِد حَمزة اضرِب الأوتي
بهذه الكلمات البسيطة، كان يدعو المارة إلى التوقف والالتفات. "يَخوتي" تعكس روح الأخوة والمحبة التي كان يعامل بها الناس، و"اضرِب الأوتي" تبرز فخره بمهنته، حيث شبه دق المكواة على الملابس (خاصة مكاوي الفحم القديمة) بعزف الأوتار، ليخلق من صخب العمل اليومي لحناً يسمعه المارة فيحفظونه ويتناقلونه.
مكانته في الذاكرة الكربلائية
لم يكن المرحوم حمزة مجرد صاحب محل لكي الملابس، ولا مجرد شاعر أو رادود عادي، بل كان جزءاً من وجدان المدينة، وعلامة فارقة في تلك البقعة المباركة من كربلاء. دكانه الصغير كان نقطة التقاء، وملتقى عابراً للحديث والسؤال والابتسامة. كان المارة يتذكرونه دائماً في جلسته المعتادة أمام الدكان، والنركيلة إلى جانبه، وروحه المرحة التي لا تثقل على أحد، لكنهم يتذكرونه أيضاً في المحرم، بصوته الحزين، وكلماته الباكية، وولائه الصادق لأهل البيت (عليهم السلام).
نعم.. ومن عشاق المرحوم الحاج حمزة الزغير، نستذكر تلك الأيام الجميلة، ونسأل الله أن يرحمه بواسع رحمته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
هكذا هم أهل كربلاء الطيبون، يصنعون من أيامهم العادية ذكريات لا تموت، ويتركون في نفوس من عرفهم أثراً طيباً يستمر حتى بعد رحيلهم.
الدعاء ..
نسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيد المرحوم الحاج حمزة الزغير بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته مع محمد وآله الأطهار. اللهم اجعله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأكرمه بكرامتك التي وعدت بها عبادك الصالحين.
رحم الله من قرأ له سورة الفاتحة المباركة وأهدى ثوابها إلى روحه الطيبة.
تقديم
د. حيدر الشبلاوي
عن أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام الإلكتروني
كربلاء المقدسة - 21 شباط (فبراير) 2026 م
المصادف: 3 رمضان المبارك 1447 هـ
النبذة التاريخية والتأبينيةالمرحوم الحاج حمزة الزغير..أحد رموز الذاكرة الشعبية الكربلائيةاستذكاراً لهم.. ومن أيام كنا شباباً صغاراً
"لكي لا يُنسى تراث كربلاء المقدسة"إهداء منأكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام الإلكتروني
"احنه غير حسين ما عدنه وسيلة".. هكذا كانت تنطلق القصائد والمستهلات، هكذا كان يصدح الشعراء في ليالي المحرم، فتمتزج الأصوات بالدموع، وتخترق الكلمات القلوب قبل الآذان.
في زمن كانت فيه المهن البسيطة عنواناً للعطاء، ومن تراث المدينة المقدسة كربلاء، حيث الأماكن المتواضعة مسرحاً للذكريات، يعيش في وجدان أهالي كربلاء المقدسة اسم عطر ونبع صافي لرجل طيب، ترك بصمة في نفوس من عرفوه وعاشروه.
نعم.. ومن عشاق المرحوم الحاج حمزة الزغير، نتذكر أيام الطفولة والشباب، حين كنا نعيش أجواء محرم الحرام بأيامها الحافلة بالمشاعر الجياشة. كانت المجالس تمتد، واللطميات تتصاعد، وأصوات الشعراء تملأ الأرجاء.
ذكريات لا تُنسى ونحن صغار.. كنا ندخل شارع الجمعية القديم، حيث المواكب تتصل بعضها ببعض وصولاً إلى المخيم الحسيني هناك، وكنا نختبئ تحت الربلات والحصون التي كانت على طول طريق الجمعية القديمة وبساتينها تحيط بالمخيم، نستمع إلى القصائد والرثائيات في ليالي المحرم الحزينة.
اليوم، للأسف الشديد، لم نعد نجد هناك من حافظ على هذه المباني وهذه المعالم، التي كانت جزءاً من هويتنا وذاكرتنا الجمعية. تلاشى الكثير، وتغيرت الملامح، لكن تبقى الذكريات محفورة في القلوب.
كان الزمان غير الزمان، وكانت القلوب أكثر صفاءً، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) حاضراً في كل زاوية وزقاق، في كل مجلس ومأتم، في كل بيت وحسينية.
ويذكرنا المرحوم حمزة الزغير، برثائه الصادق، وكلماته التي تخترق الوجدان، وهو يصور لنا مصيبة العقيلة زينب (عليها السلام) وكيف أُحرقت الخيام، وكيف توزعت السبايا بين الأسر. كان صوته يخفت حيناً ويرتفع حيناً، وكأنه يعيش تلك اللحظات الأليمة بنفسه.
هذه الأمور لا تُنسى.. بل يجب أن نتربى عليها نحن، ويجب أن يتربى عليها هذا الجيل الجديد، قبل أن ينهار هذا الجيل تحت وطأة الانحراف والتغريب. علينا أن نصنع منهم جيلاً يحمل راية التاريخ، ويحافظ على التراث الحسيني الكربلائي الأصيل، بنكهته الخاصة، وروحانيته الفريدة، وهويته المتميزة.
من طرائفه وإبداعاته الشعبية
ما يميز الإنسان البسيط هو قدرته على تحويل مهنته اليومية إلى لوحة فنية وإنسانية. ولعل أجمل ما تركه المرحوم حمزة الزغير في ذاكرة أهالي كربلاء هو ذلك البيت الشعري العفوي الذي كتبه دعاية لمحله، والذي لا يزال عالقاً في أذهان من مروا من أمام دكانه:
سَمِعوا يَخوتي صَوتي
عِد حَمزة اضرِب الأوتي
بهذه الكلمات البسيطة، كان يدعو المارة إلى التوقف والالتفات. "يَخوتي" تعكس روح الأخوة والمحبة التي كان يعامل بها الناس، و"اضرِب الأوتي" تبرز فخره بمهنته، حيث شبه دق المكواة على الملابس (خاصة مكاوي الفحم القديمة) بعزف الأوتار، ليخلق من صخب العمل اليومي لحناً يسمعه المارة فيحفظونه ويتناقلونه.
مكانته في الذاكرة الكربلائية
لم يكن المرحوم حمزة مجرد صاحب محل لكي الملابس، ولا مجرد شاعر أو رادود عادي، بل كان جزءاً من وجدان المدينة، وعلامة فارقة في تلك البقعة المباركة من كربلاء. دكانه الصغير كان نقطة التقاء، وملتقى عابراً للحديث والسؤال والابتسامة. كان المارة يتذكرونه دائماً في جلسته المعتادة أمام الدكان، والنركيلة إلى جانبه، وروحه المرحة التي لا تثقل على أحد، لكنهم يتذكرونه أيضاً في المحرم، بصوته الحزين، وكلماته الباكية، وولائه الصادق لأهل البيت (عليهم السلام).
نعم.. ومن عشاق المرحوم الحاج حمزة الزغير، نستذكر تلك الأيام الجميلة، ونسأل الله أن يرحمه بواسع رحمته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
هكذا هم أهل كربلاء الطيبون، يصنعون من أيامهم العادية ذكريات لا تموت، ويتركون في نفوس من عرفهم أثراً طيباً يستمر حتى بعد رحيلهم.
الدعاء ..
نسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيد المرحوم الحاج حمزة الزغير بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته مع محمد وآله الأطهار. اللهم اجعله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأكرمه بكرامتك التي وعدت بها عبادك الصالحين.
رحم الله من قرأ له سورة الفاتحة المباركة وأهدى ثوابها إلى روحه الطيبة.
تقديمد. حيدر الشبلاوي
عن أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام الإلكتروني
كربلاء المقدسة - 21 شباط (فبراير) 2026 مالمصادف: 3 رمضان المبارك 1447 هـ