|
يمثل الإقرار بنقص المعرفة نقطة الانطلاق لأي وثبة حضارية أو فلسفية في تاريخ البشرية.
تضرب جذور هذه الإشكالية في التفرقة الفلسفية بين إدراك الإنسان لعدم معرفته، ووهمه بامتلاك الحقيقة المطلقة، وهي التفرقة التي شكلت الأساس المعرفي لانتقال العقل البشري من طور الدوغمائية إلى طور العقلانية.
ينبني هذا المفهوم على طرح الفيلسوف اليوناني سقراط، الذي اعتبر أن الخطوة الأولى نحو الحكمة تتلخص في اكتشاف الإنسان لحدود معرفته.
يميّز البديهي، في قراءته لهذه القاعدة السقراطية، بين نوعين من الجهل :
"الجهل البسيط"
و"الجهل المركب".
فالجهل البسيط يتمثل في إدراك الفرد لقصور معارفه، وهو حالة تدفع العقل نحو البحث والتساؤل والاستقصاء الدائم. أما الجهل المركب فهو الحالة الأخطر، حيث يجهل الإنسان، لكنه يجهل أنه يجهل، ويتوهم أنه يمتلك الحقيقة المطلقة التي لا تقبل الشك أو المراجعة.
ارتبطت البيئات المغلقة عبر التاريخ بتصورات ثابتة عن المعرفة والحقيقة.
ينشأ الفرد فيها وهو يتلقى أفكارا جاهزة تبدو له صحيحة بحكم العادة والمحيط الذي يعيش فيه، فيعتاد قبولها أكثر مما يعتاد مساءلتها. هنا تظهر قيمة موقف سقراط الذي جعل الاعتراف بالجهل بداية للمعرفة. فحين أدرك الإنسان حدود ما يعرفه، أصبح قادرا على السؤال والبحث ومراجعة ما كان يظنه يقينًا. ومن هذا المعنى يمكن فهم انتقال سقراط من «الجهل المركب» إلى «الجهل البسيط» حيث يعرف الإنسان أنه يجهل، فتبدأ عنده إمكانية التفكير النقدي.
يمكن إسقاط هذه الفكرة السقراطية على واقع المجتمعات المعاصرة، حيث يرتبط استمرار التخلف بسيادة الجهل المركب. فالعقل الذي يعتقد أنه يمتلك الحقيقة كاملة يجد صعوبة في تقبل الأفكار الجديدة، وقد ينظر إلى ما يخالف تصوراته بالرفض والعداء. ويبدأ تجاوز هذه الحالة بمراجعة الأفكار المسبقة وفحص ما نعدّه من المسلمات، مع إدراك أن المعرفة البشرية تظل قابلة للمراجعة والتصحيح،
الأمر الذي يجعل البحث والتساؤل جزءًا دائما من عملية المعرفة.
#سقراط #فلسفة_المعرفة #الجهل_المركب
يمثل الإقرار بنقص المعرفة نقطة الانطلاق لأي وثبة حضارية أو فلسفية في تاريخ البشرية. تضرب جذور هذه الإشكالية في التفرقة الفلسفية بين إدراك الإنسان لعدم معرفته، ووهمه بامتلاك الحقيقة المطلقة، وهي التفرقة التي شكلت الأساس المعرفي لانتقال العقل البشري من طور الدوغمائية إلى طور العقلانية. ينبني هذا المفهوم على طرح الفيلسوف اليوناني سقراط، الذي اعتبر أن الخطوة الأولى نحو الحكمة تتلخص في اكتشاف الإنسان لحدود معرفته. يميّز البديهي، في قراءته لهذه القاعدة السقراطية، بين نوعين من الجهل : "الجهل البسيط" و"الجهل المركب". فالجهل البسيط يتمثل في إدراك الفرد لقصور معارفه، وهو حالة تدفع العقل نحو البحث والتساؤل والاستقصاء الدائم. أما الجهل المركب فهو الحالة الأخطر، حيث يجهل الإنسان، لكنه يجهل أنه يجهل، ويتوهم أنه يمتلك الحقيقة المطلقة التي لا تقبل الشك أو المراجعة. ارتبطت البيئات المغلقة عبر التاريخ بتصورات ثابتة عن المعرفة والحقيقة. ينشأ الفرد فيها وهو يتلقى أفكارا جاهزة تبدو له صحيحة بحكم العادة والمحيط الذي يعيش فيه، فيعتاد قبولها أكثر مما يعتاد مساءلتها. هنا تظهر قيمة موقف سقراط الذي جعل الاعتراف بالجهل بداية للمعرفة. فحين أدرك الإنسان حدود ما يعرفه، أصبح قادرا على السؤال والبحث ومراجعة ما كان يظنه يقينًا. ومن هذا المعنى يمكن فهم انتقال سقراط من «الجهل المركب» إلى «الجهل البسيط» حيث يعرف الإنسان أنه يجهل، فتبدأ عنده إمكانية التفكير النقدي. يمكن إسقاط هذه الفكرة السقراطية على واقع المجتمعات المعاصرة، حيث يرتبط استمرار التخلف بسيادة الجهل المركب. فالعقل الذي يعتقد أنه يمتلك الحقيقة كاملة يجد صعوبة في تقبل الأفكار الجديدة، وقد ينظر إلى ما يخالف تصوراته بالرفض والعداء. ويبدأ تجاوز هذه الحالة بمراجعة الأفكار المسبقة وفحص ما نعدّه من المسلمات، مع إدراك أن المعرفة البشرية تظل قابلة للمراجعة والتصحيح، الأمر الذي يجعل البحث والتساؤل جزءًا دائما من عملية المعرفة. #سقراط #فلسفة_المعرفة #الجهل_المركب
|