
بقلم علي حسن المفتاح
هناك مهن لا تُقاس بالراتب أو المنصب أو ساعات العمل، بل تُقاس بحجم الرحمة التي يحملها أصحابها في قلوبهم. ومن أعظم هذه المهن، مهنة الطب والتمريض، تلك الرسالة الإنسانية التي يقف أصحابها يوميًا بين الألم والأمل، وبين الحياة والموت، حاملين مسؤولية قد لا يشعر بثقلها إلا من عاش تفاصيلها.
ومع حلول يوم التمريض العالمي، لا نتحدث فقط عن وظيفة داخل مستشفى، بل عن إنسان يختار أن يكون حاضرًا في أصعب لحظات البشر، حين ينهار الجسد، ويضعف القلب، ويبحث المريض عن كلمة طمأنينة قبل أي دواء.
وعندما نتأمل في سيرة النبي عيسى عليه السلام نجد أن معجزاته ارتبطت بالشفاء والتخفيف عن الناس، فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
ومعنى الآية أن الله سبحانه وتعالى أيّد النبي عيسى بمعجزات عظيمة ليُثبت للناس صدق رسالته، فكان يشفي الأكمه وهو من وُلد أعمى، ويشفي الأبرص، وهو من الأمراض التي كانت تُعد قديمًا من أصعب الأمراض وأشدها خوفًا بين الناس، كما كان يحيي الموتى بإذن الله. ولهذا تكررت عبارة “بإذن الله” في الآية، لتؤكد أن الشفاء والقدرة والمعجزة كلها من الله أولًا وأخيرًا.
كما يذكر المفسرون أن الناس في زمن عيسى عليه السلام كانوا متقدمين في الطب، فجاءت معجزته من نفس المجال الذي برعوا فيه حتى يدركوا أن ما يحدث ليس مجرد مهارة بشرية، بل آية من الله ورحمة للناس.
هذه المعجزة لم تكن مجرد قدرة خارقة، بل رسالة عظيمة تؤكد أن التخفيف عن آلام البشر عمل يحمل قيمة إنسانية وروحية كبيرة، وأن الإيمان بالله كان دائمًا مرتبطًا بالسعي لإنقاذ الإنسان وخدمته.
وقد واجه النبي عيسى عليه السلام تحديات كثيرة، من التشكيك والرفض إلى الأذى والاتهامات، لكنه استمر في رسالته بثبات ورحمة وإيمان. وهي ذات القيم التي نراها اليوم في الأطباء والممرضين الذين يقفون يوميًا في الصفوف الأولى، يواجهون المرض، والإرهاق، وضغط العمل، والمخاطر الصحية، والضغوط النفسية، ورغم ذلك يواصلون أداء رسالتهم بإخلاص.
وهنا تظهر الحكمة التي نحتاجها اليوم:
أن أصحاب الرسائل الإنسانية الحقيقية غالبًا ما يواجهون ضغوطًا وتعبًا وسوء تقدير، لكنهم يستمرون لأنهم يؤمنون بما يفعلونه.
وهذا ما يعيشه كثير من الأطباء والممرضين يوميًا.
فخلف المعطف الأبيض، توجد قصص لا يراها الناس.
هناك ممرض يعود إلى منزله بعد 14 ساعة عمل متواصلة، منهكًا جسديًا ونفسيًا، لكنه يخفي تعبه بابتسامة حتى لا يقلق أسرته.
وهناك طبيبة تقف لساعات طويلة داخل غرفة العمليات، تحارب الزمن لإنقاذ مريض لا تعرفه، بينما قد تكون هي نفسها تعاني الإرهاق أو الحزن أو الضغط النفسي.
وهناك ممرضة تسمع صراخ المرضى وغضب المراجعين يوميًا، لكنها تُكمل عملها بصبر لأنها تدرك أن كثيرًا من الناس يتحدثون تحت تأثير الألم والخوف.
هذه ليست مشاهد درامية من مسلسل… بل واقع يومي داخل المستشفيات.
نتذكر خلال الأزمات الصحية كيف كان كثير من الكوادر الطبية ينامون لساعات قليلة فقط، وكيف ابتعد البعض عن أسرهم خوفًا من نقل العدوى لهم، بينما كان المجتمع بأكمله يبحث عن الأمان.
كم من طبيب دخل منزله دون أن يحتضن أبناءه خوفًا عليهم؟
وكم من ممرضة أخفت دموعها خلف الكمامة حتى لا يراها المرضى؟
وكم من مريض نجا بعد الله بسبب سرعة تدخل ممرض أو طبيب لم يكن أحد يعرف اسمه؟
هذه المواقف لا تُكتب غالبًا في الأخبار، لكنها تُكتب في ذاكرة الناس وفي ضمائرهم.
ومن القصص الواقعية المؤثرة التي تتكرر في مستشفياتنا، قصة طبيب طوارئ بقي بجانب مريض مسن لساعات بعد انتهاء مناوبته، فقط لأن حالة الرجل كانت حرجة ولم يشأ أن يتركه حتى استقرت حالته. لم يكن مجبرًا على ذلك، ولم يكن هناك كاميرات أو تصفيق، لكنه فعل ذلك لأن الإنسانية كانت حاضرة قبل أي شيء آخر.
وفي قصة أخرى، تروي إحدى الممرضات أنها كانت تلاحظ مريضًا يدخل المستشفى دائمًا وحيدًا دون مرافق، فكانت تحرص كل يوم على الجلوس معه دقائق إضافية فقط لتطمئن عليه نفسيًا، حتى قال لها ذات مرة: “وجودكم يخفف المرض أكثر من الدواء”.
هذه الجملة وحدها تختصر قيمة التمريض الحقيقية.
فالتمريض ليس حقنة أو جهاز قياس فقط، بل احتواء ورحمة وطمأنينة وإنسانية.
ولذلك، من الظلم أن يُختزل دور الكوادر الصحية في لحظة انتظار أو موقف غضب داخل ممر مستشفى، بينما هم يحملون فوق أكتافهم ضغوطًا نفسية وجسدية هائلة.
إن احترام الأطباء والممرضين لا يعني تجاهل الأخطاء إن وُجدت، لكنه يعني أن نتعامل بوعي وإنصاف، وأن ندرك أن من يعمل تحت ضغط إنقاذ الأرواح ليس آلة بلا مشاعر.
وفي مجتمعنا، بدأت تظهر مبادرات جميلة تعكس هذا الوعي الإنساني، ومن أبرزها مبادرة “ملائكة الرحمة” التي أطلقتها مجموعة شبابية القطيف لتكريم 150 من الكوادر الطبية في مستشفى القطيف المركزي.
هذه المبادرة لم تكن مجرد احتفال عابر، بل رسالة وفاء وتقدير لكل يد سهرت، ولكل قلب صبر، ولكل إنسان اختار أن يضع راحة المرضى قبل راحته.
فالمجتمعات الراقية لا تُقاس فقط بالبناء والتطور، بل بطريقة تعاملها مع أصحاب العطاء الحقيقي.
وتبقى هناك حقيقة عظيمة
أن الإنسان قد ينسى كثيرًا من التفاصيل في حياته، لكنه لا ينسى أبدًا الشخص الذي وقف معه في لحظة ضعف أو ألم.
ولهذا، سيبقى الأطباء والممرضون —رغم التعب والضغوط — من أكثر الناس أثرًا في حياة البشر، لأنهم لا يعالجون الأجساد فقط، بل يزرعون الأمل في النفوس.
تحية تقدير لكل طبيب، ولكل ممرض وممرضة، ولكل فرد في القطاع الصحي…
أنتم لستم مجرد موظفين، بل وجوه رحمة اختارها الله لتخفيف الألم عن الناس.
بقلم علي حسن المفتاح
هناك مهن لا تُقاس بالراتب أو المنصب أو ساعات العمل، بل تُقاس بحجم الرحمة التي يحملها أصحابها في قلوبهم. ومن أعظم هذه المهن، مهنة الطب والتمريض، تلك الرسالة الإنسانية التي يقف أصحابها يوميًا بين الألم والأمل، وبين الحياة والموت، حاملين مسؤولية قد لا يشعر بثقلها إلا من عاش تفاصيلها.
ومع حلول يوم التمريض العالمي، لا نتحدث فقط عن وظيفة داخل مستشفى، بل عن إنسان يختار أن يكون حاضرًا في أصعب لحظات البشر، حين ينهار الجسد، ويضعف القلب، ويبحث المريض عن كلمة طمأنينة قبل أي دواء.
وعندما نتأمل في سيرة النبي عيسى عليه السلام نجد أن معجزاته ارتبطت بالشفاء والتخفيف عن الناس، فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
ومعنى الآية أن الله سبحانه وتعالى أيّد النبي عيسى بمعجزات عظيمة ليُثبت للناس صدق رسالته، فكان يشفي الأكمه وهو من وُلد أعمى، ويشفي الأبرص، وهو من الأمراض التي كانت تُعد قديمًا من أصعب الأمراض وأشدها خوفًا بين الناس، كما كان يحيي الموتى بإذن الله. ولهذا تكررت عبارة “بإذن الله” في الآية، لتؤكد أن الشفاء والقدرة والمعجزة كلها من الله أولًا وأخيرًا.
كما يذكر المفسرون أن الناس في زمن عيسى عليه السلام كانوا متقدمين في الطب، فجاءت معجزته من نفس المجال الذي برعوا فيه حتى يدركوا أن ما يحدث ليس مجرد مهارة بشرية، بل آية من الله ورحمة للناس.
هذه المعجزة لم تكن مجرد قدرة خارقة، بل رسالة عظيمة تؤكد أن التخفيف عن آلام البشر عمل يحمل قيمة إنسانية وروحية كبيرة، وأن الإيمان بالله كان دائمًا مرتبطًا بالسعي لإنقاذ الإنسان وخدمته.
وقد واجه النبي عيسى عليه السلام تحديات كثيرة، من التشكيك والرفض إلى الأذى والاتهامات، لكنه استمر في رسالته بثبات ورحمة وإيمان. وهي ذات القيم التي نراها اليوم في الأطباء والممرضين الذين يقفون يوميًا في الصفوف الأولى، يواجهون المرض، والإرهاق، وضغط العمل، والمخاطر الصحية، والضغوط النفسية، ورغم ذلك يواصلون أداء رسالتهم بإخلاص.وهنا تظهر الحكمة التي نحتاجها اليوم:أن أصحاب الرسائل الإنسانية الحقيقية غالبًا ما يواجهون ضغوطًا وتعبًا وسوء تقدير، لكنهم يستمرون لأنهم يؤمنون بما يفعلونه.
وهذا ما يعيشه كثير من الأطباء والممرضين يوميًا.
فخلف المعطف الأبيض، توجد قصص لا يراها الناس.
هناك ممرض يعود إلى منزله بعد 14 ساعة عمل متواصلة، منهكًا جسديًا ونفسيًا، لكنه يخفي تعبه بابتسامة حتى لا يقلق أسرته.
وهناك طبيبة تقف لساعات طويلة داخل غرفة العمليات، تحارب الزمن لإنقاذ مريض لا تعرفه، بينما قد تكون هي نفسها تعاني الإرهاق أو الحزن أو الضغط النفسي.
وهناك ممرضة تسمع صراخ المرضى وغضب المراجعين يوميًا، لكنها تُكمل عملها بصبر لأنها تدرك أن كثيرًا من الناس يتحدثون تحت تأثير الألم والخوف.
هذه ليست مشاهد درامية من مسلسل… بل واقع يومي داخل المستشفيات.
نتذكر خلال الأزمات الصحية كيف كان كثير من الكوادر الطبية ينامون لساعات قليلة فقط، وكيف ابتعد البعض عن أسرهم خوفًا من نقل العدوى لهم، بينما كان المجتمع بأكمله يبحث عن الأمان.
كم من طبيب دخل منزله دون أن يحتضن أبناءه خوفًا عليهم؟وكم من ممرضة أخفت دموعها خلف الكمامة حتى لا يراها المرضى؟وكم من مريض نجا بعد الله بسبب سرعة تدخل ممرض أو طبيب لم يكن أحد يعرف اسمه؟
هذه المواقف لا تُكتب غالبًا في الأخبار، لكنها تُكتب في ذاكرة الناس وفي ضمائرهم.
ومن القصص الواقعية المؤثرة التي تتكرر في مستشفياتنا، قصة طبيب طوارئ بقي بجانب مريض مسن لساعات بعد انتهاء مناوبته، فقط لأن حالة الرجل كانت حرجة ولم يشأ أن يتركه حتى استقرت حالته. لم يكن مجبرًا على ذلك، ولم يكن هناك كاميرات أو تصفيق، لكنه فعل ذلك لأن الإنسانية كانت حاضرة قبل أي شيء آخر.
وفي قصة أخرى، تروي إحدى الممرضات أنها كانت تلاحظ مريضًا يدخل المستشفى دائمًا وحيدًا دون مرافق، فكانت تحرص كل يوم على الجلوس معه دقائق إضافية فقط لتطمئن عليه نفسيًا، حتى قال لها ذات مرة: “وجودكم يخفف المرض أكثر من الدواء”.
هذه الجملة وحدها تختصر قيمة التمريض الحقيقية.
فالتمريض ليس حقنة أو جهاز قياس فقط، بل احتواء ورحمة وطمأنينة وإنسانية.
ولذلك، من الظلم أن يُختزل دور الكوادر الصحية في لحظة انتظار أو موقف غضب داخل ممر مستشفى، بينما هم يحملون فوق أكتافهم ضغوطًا نفسية وجسدية هائلة.
إن احترام الأطباء والممرضين لا يعني تجاهل الأخطاء إن وُجدت، لكنه يعني أن نتعامل بوعي وإنصاف، وأن ندرك أن من يعمل تحت ضغط إنقاذ الأرواح ليس آلة بلا مشاعر.
وفي مجتمعنا، بدأت تظهر مبادرات جميلة تعكس هذا الوعي الإنساني، ومن أبرزها مبادرة “ملائكة الرحمة” التي أطلقتها مجموعة شبابية القطيف لتكريم 150 من الكوادر الطبية في مستشفى القطيف المركزي.
هذه المبادرة لم تكن مجرد احتفال عابر، بل رسالة وفاء وتقدير لكل يد سهرت، ولكل قلب صبر، ولكل إنسان اختار أن يضع راحة المرضى قبل راحته.
فالمجتمعات الراقية لا تُقاس فقط بالبناء والتطور، بل بطريقة تعاملها مع أصحاب العطاء الحقيقي.
وتبقى هناك حقيقة عظيمةأن الإنسان قد ينسى كثيرًا من التفاصيل في حياته، لكنه لا ينسى أبدًا الشخص الذي وقف معه في لحظة ضعف أو ألم.ولهذا، سيبقى الأطباء والممرضون —رغم التعب والضغوط — من أكثر الناس أثرًا في حياة البشر، لأنهم لا يعالجون الأجساد فقط، بل يزرعون الأمل في النفوس.
تحية تقدير لكل طبيب، ولكل ممرض وممرضة، ولكل فرد في القطاع الصحي…أنتم لستم مجرد موظفين، بل وجوه رحمة اختارها الله لتخفيف الألم عن الناس.