
التاريخ: ١٦ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦ ميلادي
الموافق: ٢٨ رمضان ١٤٤٧ هجري
رقم النشر: الخوئي ٢٠٢٦٠٤١٦
إعداد
المستشار حيدر الشبلاوي
عضو هيئة التحكيم الدولية سابقاً
خبير في العلاقات السياسية والدبلوماسية
عميد أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني
قسم الدراسات السياسية والدبلوماسية الإقليمية والدولية
الملخص التنفيذي
يتناول هذا التقرير تحليل الموقف الإيراني القاضي بإسناد المسؤولية إلى خمس دول شاركت إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في الهجمات التي استهدفت إيران، والتي أدت إلى اغتيال قادة ومدنيين واستهداف منشآت رسمية وحساسة. ويهدف التقرير إلى تقييم مدى توافق هذا الموقف مع أحكام القانون الدولي، وذلك من خلال استعراض مبادئ المسؤولية الدولية، وقواعد مكافحة الإرهاب، وحق الدفاع الشرعي عن النفس، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مع الالتزام بأن إيران ظلت ملتزمة بميثاق الأمم المتحدة. يعتمد التقرير على المنهج الوصفي التحليلي، مستنداً إلى المصادر القانونية الدولية والإقليمية المعتمدة.
أولاً: الإطار القانوني الدولي للمسؤولية عن الهجمات المسلحة
يكرس ميثاق الأمم المتحدة في المادة الثانية منه مبدأ أساسياً في القانون الدولي مفاده حظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. وأي هجوم مسلح يشن على دولة عضو في الأمم المتحدة دون تفويض مسبق من مجلس الأمن وفقاً لأحكام الفصل السابع من الميثاق، أو دون أن يكون في إطار ممارسة حق الدفاع الشرعي عن النفس المنصوص عليه في المادة الحادية والخمسين، يُعتبر عملاً غير مشروع دولياً. وهذا المبدأ يُعد من القواعد الآمرة في القانون الدولي التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.
وتكتمل هذه القاعدة بمبدأ المسؤولية الدولية للدول، والذي يعني أن الدولة التي ترتكب فعلاً غير مشروع دولياً تتحمل تبعات ذلك أمام المجتمع الدولي. وبموجب مشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً الصادر عام ألفين وواحد، فإن أي دولة تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في ارتكاب فعل غير مشروع، كالهجوم المسلح، تكون شريكة في المسؤولية. وتشمل هذه المسؤولية الالتزام بوقف الفعل فوراً، وتقديم تعويضات مناسبة عن الأضرار المادية والمعنوية، وضمان عدم تكراره مستقبلاً. كما أن المادة السادسة عشرة من هذا المشروع تنص صراحة على أن الدولة التي تقدم مساعدة أو تسيطر على دولة أخرى لارتكاب فعل غير مشروع دولياً، تكون مسؤولة عن هذا الفعل.
ثانياً: تحليل الموقف الإيراني في ضوء القانون الدولي
فيما يتعلق بتحديد الدول المشاركة في الهجمات، فإن القانون الدولي لا يشترط ذكر أسماء الدول بقدر ما يركز على وصف الفعل القانوني. فوفقاً لمبادئ القانون الدولي، فإن أي دعم فعال للهجوم المسلح، سواء كان بتوفير الأراضي، أو الأجواء، أو المعلومات الاستخبارية، أو القواعد العسكرية، أو المشاركة المباشرة في عمليات التخطيط أو التنفيذ أو الدعم اللوجستي، يُعتبر عملاً يرقى إلى درجة المشاركة في العدوان. وإذا ثبت أن خمس دول قدمت أياً من هذه الأشكال من الدعم للولايات المتحدة وإسرائيل في شن الهجمات على إيران، فإنها تتحمل مسؤولية دولية كاملة بالتضامن معهما.
وفيما يخص شرعية حق الدفاع عن النفس الإيراني، تنص المادة الحادية والخمسون من ميثاق الأمم المتحدة صراحة على أن للدول حق الدفاع عن النفس بصورة فردية أو جماعية إذا وقع عليها هجوم مسلح، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين. وإيران، باعتبارها دولة تعرضت لهجمات مسلحة أسفرت عن اغتيال قادة عسكريين ومدنيين، فإن حقها في الدفاع عن النفس يعد حقاً طبيعياً وقانونياً. وهذا الحق يشمل جانبين: الجانب الأول هو الردع المشروع، أي اتخاذ تدابير دفاعية تتناسب مع حجم الهجوم وشدته، والجانب الثاني هو إسناد المسؤولية، أي تحديد الدول التي تقف وراء الهجوم أو ساهمت فيه، ومطالبتها قانونياً بوقف العدوان وتقديم التعويضات. ومن المهم التأكيد هنا على أن إيران ظلت ملتزمة بميثاق الأمم المتحدة، ولم تلجأ إلى القوة إلا في إطار الدفاع الشرعي عن النفس، وهو ما يتسق مع روح المادة الحادية والخمسين.
أما بخصوص اغتيال القادة والمدنيين واستهداف المنشآت الرسمية والحساسة كجريمة دولية، فإن القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان يفرقان بوضوح بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية. واستهداف القادة العسكريين والمدنيين والمنشآت الرسمية والحساسة بشكل متعمد ودون مبرر قانوني، يرقى إلى مستوى جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وتحديداً في مادته الثامنة. كما أن الهجمات المنهجية والواسعة النطاق ضد المدنيين قد ترقى إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية وفقاً للمادة السابعة من النظام ذاته.
كما أن مفهوم "الاغتيال المستهدف" الذي تتبناه بعض الدول خارج سياق ساحة المعركة النشطة، يُعتبر انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، لأنه يتجاوز الضمانات الإجرائية التي تفرضها مواثيق حقوق الإنسان، كالحق في محاكمة عادلة، وافتراض البراءة، والحق في الحياة. كما أن استهداف المنشآت الرسمية والحساسة التي لا تشكل أهدافاً عسكرية بالمعنى الدقيق، يُعد انتهاكاً لاتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولين الإضافيين الملحقين بها، ولا سيما ما يتعلق بحماية الأعيان المدنية.
ثالثاً: مدى توافق الموقف الإيراني مع القانون الدولي
يتوافق الموقف الإيراني مع أحكام القانون الدولي في عدة جوانب أساسية. فمن حيث حق تقرير المعتدي، يحق لأي دولة تتعرض لاعتداء مسلح أن تحدد الدول التي ساهمت في هذا الاعتداء استناداً إلى مبدأ التحقيق المستقل في انتهاكات القانون الدولي، وهو ما كرسته أحكام محكمة العدل الدولية في قضايا متعددة. ومن حيث مبدأ المشاركة في الفعل غير المشروع، فإن القانون الدولي لا يعفي الدول المساعدة أو المشاركة في العدوان من المسؤولية، وهو ما تنص عليه بوضوح المادة السادسة عشرة من مشروع مواد لجنة القانون الدولي. ومن حيث حق الدفاع الشرعي عن النفس، فإن إيران تمارس حقاً طبيعياً وقانونياً كفلته المادة الحادية والخمسون من ميثاق الأمم المتحدة، سواء عبر الردع العسكري المتناسب أو عبر المساءلة القانونية والدبلوماسية. ومن حيث مكافحة الإرهاب الدولي، إذا ثبت أن هذه الهجمات كانت ذات طابع إرهابي باستهداف مدنيين ومنشآت رسمية وحساسة بشكل متعمد، فإن القانون الدولي يلزم جميع الدول بعدم تقديم أي شكل من أشكال الدعم للكيانات الإرهابية، ويجرم المشاركة في أعمالها بموجب الصكوك الدولية لمكافحة الإرهاب كاتفاقية منع الإرهاب الدولي وقمعها.
رابعاً: تقييم قانوني وتحذيرات منهجية
رغم توافق الموقف الإيراني مع المبادئ العامة للقانون الدولي، ثمة اعتبارات قانونية دقيقة تستدعي الانتباه. فمن الضرورة بمكان تقديم أدلة قاطعة تثبت تورط كل دولة من الدول الخمس، بحيث لا يبقى الإسناد في إطار السياسي بل يرتقي إلى مستوى الإثبات القانوني الذي يتطلبه القضاء الدولي. كما أن مبدأ التناسب في الرد يشكل قيداً أساسياً على أي إجراء دفاعي تتخذه إيران، إذ يجب أن يكون الرد متناسباً مع حجم الهجوم الأصلي وألا يتجاوز حدود الضرورة القصوى، وإلا فقد تفقد طابعها الدفاعي وتصبح فعلاً غير مشروع. ولعل أفضل مسار قانوني لإضفاء الشرعية الكاملة على الموقف الإيراني هو اللجوء إلى آليات التقاضي الدولي، كرفع دعوى ضد الدول المشاركة أمام محكمة العدل الدولية بدعوى انتهاك ميثاق الأمم المتحدة وارتكاب عدوان، أو أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، وذلك في حال استكملت المحكمة ولايتها القضائية على الدول المعنية.
إن إسناد الجمهورية الإسلامية في إيران المسؤولية لخمس دول شاركت في الهجمات على أراضيها إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، هو موقف يتوافق بشكل كبير مع أحكام القانون الدولي. وهذا التوافق يستند إلى جملة من المبادئ الراسخة، أبرزها حق الدولة في تحديد المعتدي، ومبدأ المسؤولية الدولية للدول المشاركة في الأفعال غير المشروعة، وحق الدفاع الشرعي عن النفس، وتجريم استهداف المدنيين والقادة والمنشآت الرسمية والحساسة. كما أن التزام إيران بميثاق الأمم المتحدة وعدم لجوئها إلى القوة إلا في إطار الدفاع الشرعي يعزز الموقف القانوني الإيراني. ومع ذلك، فإن تعزيز هذا الموقف قانونياً يتطلب تقديم أدلة قاطعة على تورط الدول الخمس، والتمسك بمبدأ التناسب في أي رد، والانخراط الجاد في آليات التقاضي الدولي المتاحة. أما على المستوى السياسي، فإن القرائن المتاحة تشير إلى اتجاه الرأي العام العالمي نحو تحميل واشنطن وتل أبيب المسؤولية الأساسية عن التصعيد، وهو ما قد يعزز الموقف الإيراني دبلوماسياً، وإن كان ذلك لا يغني عن السند القانوني القاطع.
التوصيات
على إيران أن توثق الأدلة الملموسة على تورط كل دولة من الدول الخمس في الهجمات، وأن تودع هذه الأدلة لدى الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والجهات القضائية الدولية المختصة. كما يُنصح بالتحرك الفوري لرفع دعوى قضائية دولية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والدول المشاركة أمام محكمة العدل الدولية. والاستمرار في توظيف الدبلوماسية العامة والإعلام القانوني لشرح الموقف الإيراني بلغة القانون الدولي الواضحة، مع ضرورة الحفاظ على الخطاب القانوني الرصين والابتعاد عن التسييس.
المصادر القانونية المعتمدة
ميثاق الأمم المتحدة الصادر عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين. ومشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً الصادر عام ألفين وواحد. ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الصادر عام ألف وتسعمائة وثمانية وتسعين. واتفاقيات جنيف الأربع لعام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين والبروتوكولين الإضافيين الملحقين بها. والصكوك الدولية لمكافحة الإرهاب ذات الصلة.
المستشار حيدر الشبلاوي
عميد أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني
خبير في العلاقات السياسية والدبلوماسية
عضو هيئة التحكيم الدولية سابقاً
.
بحسب استطلاع أجرته مؤسسة غالوب الدولية في الفترة من 5 إلى 30 مارس 2026، وشمل 15 دولة وحوالي 13,000 شخص:
· 80% من المشاركين يعتبرون الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولين جزئياً أو كلياً عن بدء الحرب مع إيران.
· 44% يوزعون المسؤولية بالتساوي بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
· 15% فقط يعتبرون إيران مسؤولة.
المصادر القانونية المعتمدة:
· ميثاق الأمم المتحدة (1945).
· مشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول (2001).
· نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998).
· استطلاع غالوب الدولي، أبريل 2026 .
التاريخ: ١٦ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦ ميلاديالموافق: ٢٨ رمضان ١٤٤٧ هجري
رقم النشر: الخوئي ٢٠٢٦٠٤١٦
إعداد
المستشار حيدر الشبلاويعضو هيئة التحكيم الدولية سابقاًخبير في العلاقات السياسية والدبلوماسيةعميد أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكترونيقسم الدراسات السياسية والدبلوماسية الإقليمية والدولية
الملخص التنفيذي
يتناول هذا التقرير تحليل الموقف الإيراني القاضي بإسناد المسؤولية إلى خمس دول شاركت إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في الهجمات التي استهدفت إيران، والتي أدت إلى اغتيال قادة ومدنيين واستهداف منشآت رسمية وحساسة. ويهدف التقرير إلى تقييم مدى توافق هذا الموقف مع أحكام القانون الدولي، وذلك من خلال استعراض مبادئ المسؤولية الدولية، وقواعد مكافحة الإرهاب، وحق الدفاع الشرعي عن النفس، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مع الالتزام بأن إيران ظلت ملتزمة بميثاق الأمم المتحدة. يعتمد التقرير على المنهج الوصفي التحليلي، مستنداً إلى المصادر القانونية الدولية والإقليمية المعتمدة.
أولاً: الإطار القانوني الدولي للمسؤولية عن الهجمات المسلحة
يكرس ميثاق الأمم المتحدة في المادة الثانية منه مبدأ أساسياً في القانون الدولي مفاده حظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. وأي هجوم مسلح يشن على دولة عضو في الأمم المتحدة دون تفويض مسبق من مجلس الأمن وفقاً لأحكام الفصل السابع من الميثاق، أو دون أن يكون في إطار ممارسة حق الدفاع الشرعي عن النفس المنصوص عليه في المادة الحادية والخمسين، يُعتبر عملاً غير مشروع دولياً. وهذا المبدأ يُعد من القواعد الآمرة في القانون الدولي التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.
وتكتمل هذه القاعدة بمبدأ المسؤولية الدولية للدول، والذي يعني أن الدولة التي ترتكب فعلاً غير مشروع دولياً تتحمل تبعات ذلك أمام المجتمع الدولي. وبموجب مشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً الصادر عام ألفين وواحد، فإن أي دولة تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في ارتكاب فعل غير مشروع، كالهجوم المسلح، تكون شريكة في المسؤولية. وتشمل هذه المسؤولية الالتزام بوقف الفعل فوراً، وتقديم تعويضات مناسبة عن الأضرار المادية والمعنوية، وضمان عدم تكراره مستقبلاً. كما أن المادة السادسة عشرة من هذا المشروع تنص صراحة على أن الدولة التي تقدم مساعدة أو تسيطر على دولة أخرى لارتكاب فعل غير مشروع دولياً، تكون مسؤولة عن هذا الفعل.
ثانياً: تحليل الموقف الإيراني في ضوء القانون الدولي
فيما يتعلق بتحديد الدول المشاركة في الهجمات، فإن القانون الدولي لا يشترط ذكر أسماء الدول بقدر ما يركز على وصف الفعل القانوني. فوفقاً لمبادئ القانون الدولي، فإن أي دعم فعال للهجوم المسلح، سواء كان بتوفير الأراضي، أو الأجواء، أو المعلومات الاستخبارية، أو القواعد العسكرية، أو المشاركة المباشرة في عمليات التخطيط أو التنفيذ أو الدعم اللوجستي، يُعتبر عملاً يرقى إلى درجة المشاركة في العدوان. وإذا ثبت أن خمس دول قدمت أياً من هذه الأشكال من الدعم للولايات المتحدة وإسرائيل في شن الهجمات على إيران، فإنها تتحمل مسؤولية دولية كاملة بالتضامن معهما.
وفيما يخص شرعية حق الدفاع عن النفس الإيراني، تنص المادة الحادية والخمسون من ميثاق الأمم المتحدة صراحة على أن للدول حق الدفاع عن النفس بصورة فردية أو جماعية إذا وقع عليها هجوم مسلح، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين. وإيران، باعتبارها دولة تعرضت لهجمات مسلحة أسفرت عن اغتيال قادة عسكريين ومدنيين، فإن حقها في الدفاع عن النفس يعد حقاً طبيعياً وقانونياً. وهذا الحق يشمل جانبين: الجانب الأول هو الردع المشروع، أي اتخاذ تدابير دفاعية تتناسب مع حجم الهجوم وشدته، والجانب الثاني هو إسناد المسؤولية، أي تحديد الدول التي تقف وراء الهجوم أو ساهمت فيه، ومطالبتها قانونياً بوقف العدوان وتقديم التعويضات. ومن المهم التأكيد هنا على أن إيران ظلت ملتزمة بميثاق الأمم المتحدة، ولم تلجأ إلى القوة إلا في إطار الدفاع الشرعي عن النفس، وهو ما يتسق مع روح المادة الحادية والخمسين.
أما بخصوص اغتيال القادة والمدنيين واستهداف المنشآت الرسمية والحساسة كجريمة دولية، فإن القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان يفرقان بوضوح بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية. واستهداف القادة العسكريين والمدنيين والمنشآت الرسمية والحساسة بشكل متعمد ودون مبرر قانوني، يرقى إلى مستوى جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وتحديداً في مادته الثامنة. كما أن الهجمات المنهجية والواسعة النطاق ضد المدنيين قد ترقى إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية وفقاً للمادة السابعة من النظام ذاته.
كما أن مفهوم "الاغتيال المستهدف" الذي تتبناه بعض الدول خارج سياق ساحة المعركة النشطة، يُعتبر انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، لأنه يتجاوز الضمانات الإجرائية التي تفرضها مواثيق حقوق الإنسان، كالحق في محاكمة عادلة، وافتراض البراءة، والحق في الحياة. كما أن استهداف المنشآت الرسمية والحساسة التي لا تشكل أهدافاً عسكرية بالمعنى الدقيق، يُعد انتهاكاً لاتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولين الإضافيين الملحقين بها، ولا سيما ما يتعلق بحماية الأعيان المدنية.
ثالثاً: مدى توافق الموقف الإيراني مع القانون الدولي
يتوافق الموقف الإيراني مع أحكام القانون الدولي في عدة جوانب أساسية. فمن حيث حق تقرير المعتدي، يحق لأي دولة تتعرض لاعتداء مسلح أن تحدد الدول التي ساهمت في هذا الاعتداء استناداً إلى مبدأ التحقيق المستقل في انتهاكات القانون الدولي، وهو ما كرسته أحكام محكمة العدل الدولية في قضايا متعددة. ومن حيث مبدأ المشاركة في الفعل غير المشروع، فإن القانون الدولي لا يعفي الدول المساعدة أو المشاركة في العدوان من المسؤولية، وهو ما تنص عليه بوضوح المادة السادسة عشرة من مشروع مواد لجنة القانون الدولي. ومن حيث حق الدفاع الشرعي عن النفس، فإن إيران تمارس حقاً طبيعياً وقانونياً كفلته المادة الحادية والخمسون من ميثاق الأمم المتحدة، سواء عبر الردع العسكري المتناسب أو عبر المساءلة القانونية والدبلوماسية. ومن حيث مكافحة الإرهاب الدولي، إذا ثبت أن هذه الهجمات كانت ذات طابع إرهابي باستهداف مدنيين ومنشآت رسمية وحساسة بشكل متعمد، فإن القانون الدولي يلزم جميع الدول بعدم تقديم أي شكل من أشكال الدعم للكيانات الإرهابية، ويجرم المشاركة في أعمالها بموجب الصكوك الدولية لمكافحة الإرهاب كاتفاقية منع الإرهاب الدولي وقمعها.
رابعاً: تقييم قانوني وتحذيرات منهجية
رغم توافق الموقف الإيراني مع المبادئ العامة للقانون الدولي، ثمة اعتبارات قانونية دقيقة تستدعي الانتباه. فمن الضرورة بمكان تقديم أدلة قاطعة تثبت تورط كل دولة من الدول الخمس، بحيث لا يبقى الإسناد في إطار السياسي بل يرتقي إلى مستوى الإثبات القانوني الذي يتطلبه القضاء الدولي. كما أن مبدأ التناسب في الرد يشكل قيداً أساسياً على أي إجراء دفاعي تتخذه إيران، إذ يجب أن يكون الرد متناسباً مع حجم الهجوم الأصلي وألا يتجاوز حدود الضرورة القصوى، وإلا فقد تفقد طابعها الدفاعي وتصبح فعلاً غير مشروع. ولعل أفضل مسار قانوني لإضفاء الشرعية الكاملة على الموقف الإيراني هو اللجوء إلى آليات التقاضي الدولي، كرفع دعوى ضد الدول المشاركة أمام محكمة العدل الدولية بدعوى انتهاك ميثاق الأمم المتحدة وارتكاب عدوان، أو أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، وذلك في حال استكملت المحكمة ولايتها القضائية على الدول المعنية.
إن إسناد الجمهورية الإسلامية في إيران المسؤولية لخمس دول شاركت في الهجمات على أراضيها إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، هو موقف يتوافق بشكل كبير مع أحكام القانون الدولي. وهذا التوافق يستند إلى جملة من المبادئ الراسخة، أبرزها حق الدولة في تحديد المعتدي، ومبدأ المسؤولية الدولية للدول المشاركة في الأفعال غير المشروعة، وحق الدفاع الشرعي عن النفس، وتجريم استهداف المدنيين والقادة والمنشآت الرسمية والحساسة. كما أن التزام إيران بميثاق الأمم المتحدة وعدم لجوئها إلى القوة إلا في إطار الدفاع الشرعي يعزز الموقف القانوني الإيراني. ومع ذلك، فإن تعزيز هذا الموقف قانونياً يتطلب تقديم أدلة قاطعة على تورط الدول الخمس، والتمسك بمبدأ التناسب في أي رد، والانخراط الجاد في آليات التقاضي الدولي المتاحة. أما على المستوى السياسي، فإن القرائن المتاحة تشير إلى اتجاه الرأي العام العالمي نحو تحميل واشنطن وتل أبيب المسؤولية الأساسية عن التصعيد، وهو ما قد يعزز الموقف الإيراني دبلوماسياً، وإن كان ذلك لا يغني عن السند القانوني القاطع.
التوصيات
على إيران أن توثق الأدلة الملموسة على تورط كل دولة من الدول الخمس في الهجمات، وأن تودع هذه الأدلة لدى الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والجهات القضائية الدولية المختصة. كما يُنصح بالتحرك الفوري لرفع دعوى قضائية دولية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والدول المشاركة أمام محكمة العدل الدولية. والاستمرار في توظيف الدبلوماسية العامة والإعلام القانوني لشرح الموقف الإيراني بلغة القانون الدولي الواضحة، مع ضرورة الحفاظ على الخطاب القانوني الرصين والابتعاد عن التسييس.
المصادر القانونية المعتمدة
ميثاق الأمم المتحدة الصادر عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين. ومشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً الصادر عام ألفين وواحد. ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الصادر عام ألف وتسعمائة وثمانية وتسعين. واتفاقيات جنيف الأربع لعام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين والبروتوكولين الإضافيين الملحقين بها. والصكوك الدولية لمكافحة الإرهاب ذات الصلة.
المستشار حيدر الشبلاويعميد أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكترونيخبير في العلاقات السياسية والدبلوماسيةعضو هيئة التحكيم الدولية سابقاً.بحسب استطلاع أجرته مؤسسة غالوب الدولية في الفترة من 5 إلى 30 مارس 2026، وشمل 15 دولة وحوالي 13,000 شخص:
· 80% من المشاركين يعتبرون الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولين جزئياً أو كلياً عن بدء الحرب مع إيران.· 44% يوزعون المسؤولية بالتساوي بين الولايات المتحدة وإسرائيل.· 15% فقط يعتبرون إيران مسؤولة.
المصادر القانونية المعتمدة:
· ميثاق الأمم المتحدة (1945).· مشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول (2001).· نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998).· استطلاع غالوب الدولي، أبريل 2026 .