تشير اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد إلى أولوية الجانب الوقائي على الجزاء القانوني في مواجهة جرائم الفساد. وهناك معايير دولية تربط بين أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 وبين تطبيقات تلك الاتفاقية الدولية التي التزم العراق بأحكامها، ومنها تأسيس هيئة النزاهة.
مع كل شعور المواطن العراقي بالغبطة والسرور لمشاهدة مثل هذه الصولة ضد الفساد السياسي، الذي طالما وصفته بـ"مفاسد المحاصصة وأمراء الإقطاع السياسي الجديد"، يصبح من الممكن التذكير بما سبق أن طرحته في مقالات سابقة:
أولا: لم ولن يتحقق الردع الوقائي للفساد، بعنوانه السياسي، من دون تثبيت قواعد وإجراءات كشف الذمة المالية لموظفي الدرجات الخاصة، وقادة الأحزاب، ومرجعياتها الدينية والاقتصادية.
هذه مسؤولية مفوضية الانتخابات في عدم السماح لأي شخصية معنوية أو فردية بخوض السباق الانتخابي من دون الكشف عن أصولها المالية، ولا سيما تلك التي توظف في الدعاية الانتخابية. فهل طبق هذا المعيار الأساسي، الذي تعتمده منظمة الشفافية الدولية، في مكافحة فساد تمويل الانتخابات؟
الإجابة الواقعية: كلا.
فكانت النتيجة ما ظهر من صور القبض على برلمانيين سابقين وحاليين، فضلا عن وقائع القبض على شخصيات محسوبة على هذا الطرف أو ذاك من قيادات الصف الأول في عملية مفاسد المحاصصة.
هذا النتاج كان يمكن ردعه ومنعه بتكليف صريح في قانون الأحزاب. كما أن المطلوب محاسبة مفوضية الانتخابات أمام المحاكم المختصة عن عدم الالتزام بنصوص القانون الخاصة بالكشف عن الذمة المالية قبل دخول الانتخابات، بما في ذلك الأموال المصروفة على الدعاية الانتخابية.
فهل قامت بذلك أي جهة من الأجهزة الرقابية، أو النقابات، أو منظمات المجتمع المدني؟
الإجابة: كلا.
لهذا انتهى الأمر إلى القبض على برلمانيين بعد رفع الحصانة عنهم، فيما كان الأصل الرادع هو عدم قبول ترشيحهم للانتخابات من الأساس.
ثانيا: من الأمور التي يجري تداولها في السباق الرادع لمكافحة الفساد إعادة النظر في العقود، فيما يفترض وجود تنسيق بين الأمانة العامة لمجلس الوزراء والوزارات والأجهزة الرقابية لمنع أي شبهات فساد.
في المقابل، فإن وقائع الاستثناء من ضوابط العقود، بموجب صلاحيات إدارية، تفرض على اللجان المختصة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء مسؤولية رفض تلك الاستثناءات.
بما يعيد طرح السؤال القانوني الأصعب في تطبيق قانون انضباط موظفي الدولة، والمتعلق بعدم قبول قرارات السلطة الإدارية الأعلى إذا كانت مخالفة للأصول القانونية، وذلك ضمن ضوابط حوكمة حقيقية للعقود المشمولة بالاستثناء وفق مصفوفة إجراءات معروفة.
فهل قام موظفو السلطة القانونية والمالية بذلك أم لا؟
الإجابة الواقعية: كلا.
إذ إن نصف الكأس الممتلئ تحول، في كثير من الأحيان، إلى تماه مع واقعة المخالفة والاستفادة منها، عبر تمرير الاستثناء من دون اعتراض.
هذا يتطلب، بين حين وآخر، تدوير العاملين في مثل هذه المواقع الإدارية، مع توضيح البديهيات القانونية بأن أي قرار يصدر عن مجلس الوزراء، أو رئيس مجلس الوزراء، أو الوزير، خارج الأصول القانونية لصرف أموال الشعب، يقع تحت طائلة المساءلة القانونية بوصفه من جرائم الفساد.
ثالثا: في السياق العام، لا بد من تعديل استمارة الكشف عن الذمة المالية لموظفي الدرجات الخاصة، وقادة الأحزاب، ومرجعياتها الدينية والاقتصادية، لتثبيت الأصول المالية قبل عام 2003 وما بعده.
مثل هذا التعديل، بموجب صلاحيات هيئة النزاهة الاتحادية، يمكن أن يشكل جدارا رادعا أمام تضخم الأموال، ولا سيما في جوانب المال السياسي.
ما زال كشف الذمة المالية يتكرر كل عام، وربما كان البرلمانيون الذين ألقي القبض عليهم قد قدموا تلك الكشوف من دون محاسبة، أو ربما كانت تلك الكشوف هي الأساس في ملاحقتهم.
لكن الحقيقة تبقى أن الكثير من قيادات الأحزاب تقدم وثائق كشف الذمة المالية منذ سنوات، فيما تمضي الأخبار نحو نماذج من البذخ والترف، ومواكب السيارات الأمريكية ذات الدفع الرباعي، والأرقام المتميزة، ناهيك عن متحورات غسل الأموال التي تحتاج إلى دراسات تطبيقية لمواجهة تهديدات الأبواب الدوارة للفساد في نظام كشف الذمة المالية، بما يعيد إليه ذلك الجانب الرادع.
رابعا: على الرغم من وجود مجلس الخدمة الاتحادي، ما زالت وظائف الدرجات الخاصة تخضع لمبدأ مفاسد المحاصصة وأمراء الإقطاع السياسي الجديد.
فيما إن نقلها إلى إشراف هذا المجلس يفك ارتباط تلك الدرجات الخاصة بالأحزاب، ويقلل من تأثير اللجان الاقتصادية في أعمال الوزارات والجهاز الحكومي.
يضاف إلى ذلك أهمية إخضاع هيئات المستشارين في رئاسة الوزراء والأمانة العامة لمجلس الوزراء للمعايير نفسها، لأن تدوير مسميات الفساد السياسي في هذه المواقع الاستشارية يمنح المراقب الصحفي انطباعا سلبيا واضحا.
هذا غيض من فيض التساؤلات العراقية، بمرارة العلقم، عن تلك الأبواب الدوارة للفساد السياسي.
فالكل يمارس أنواعا من أساليب "الاستحمار " للرأي العام، حتى باتت بيانات التأييد من قيادات (مفاسد المحاصصة) لصولة الزيدي، والأجهزة الرقابية، والقضائية ضد الفساد، تبدو وكأن من ألقي القبض عليهم خرجوا من "فطر الحائط"، أو نزلوا من السماء، فيما يعرف الجميع أن لهم أصولا حزبية وتحالفات برلمانية معروفة.
ويبقى من القول: لله في خلقه شؤون.!!!