|
أ. محمد البحر المحضار ...
في اللحظات التاريخية الكبرى لا تُختبر الجيوش وحدها، بل تُختبر العقول أيضًا. وبينما تتشكل ملامح صراعٍ واضح المعالم في المنطقة، يظهر في الفضاء الإعلامي خطابٌ يحاول إعادة تعريف هذا الصراع بطريقة مختلفة: ليس بوصفه مواجهة بين احتلالٍ وشعوبٍ تقاومه، بل بوصفه صراعًا بين «نبوءات دينية متقابلة».
هذا التحويل في زاوية النظر ليس مجرد اختلاف فكري عابر، بل يمثل محاولة لإعادة صياغة الوعي العام، عبر نقل النقاش من أرض الواقع السياسي والقانوني إلى فضاء التأويلات اللاهوتية.
ومن هنا تبرز أهمية النقاش حول المقالات التي تتبنى هذا الطرح، ليس بوصفها مجرد نصوص رأي، بل باعتبارها جزءًا من معركة السرديات التي تشكل فهم الناس لما يجري في المنطقة.
وفي هذا السياق برز مقال بعنوان «حرب النبوءات ونهاية الزمان لكاتب يعرّف نفسه باسم د. ربيع شاكر المهدي، وهو نص يقدّم نفسه بوصفه قراءة تحليلية لما يحدث في المنطقة، لكنه في جوهره يقوم على فرضية إشكالية تحاول المساواة بين عقيدة المهدوية في الإسلام وبين بعض التصورات اللاهوتية في الصهيونية الدينية، وكأن ما يجري في منطقتنا ليس صراع احتلالٍ وعدوان من جهة، ومقاومةٍ وتحرر من جهة أخرى، بل مجرد صراع بين سرديات دينية متقابلة.
وهنا يصبح من الضروري التوقف عند هذا الطرح قراءةً وتحليلًا وتوضيحًا.
أولاً: تساؤلات مشروعة… من يكتب ولماذا الآن؟
قبل الدخول في مناقشة الأفكار المطروحة في هذا النوع من الخطاب، يبرز سؤال طبيعي يفرض نفسه بإلحاح:
من يكتب هذا الطرح؟
ومن أي موقع فكري أو سياسي ينطلق؟
لسنا هنا بصدد إطلاق الاتهامات أو إصدار الأحكام على النوايا، فذلك ليس منهجاً علمياً ولا أخلاقياً، كما أن منهجنا يقوم على قاعدة واضحة: نحكم بالظاهر، والباطن إلى الله.
غير أن هذا لا يمنع من طرح الأسئلة المشروعة التي يفرضها السياق نفسه، فالمؤمن – كما جاء في الأثر – كَيِّسٌ فَطِن، ومن حق القارئ أن يتساءل ويتفكر.
فمن هو هذا الكاتب الذي يطرح هذه القراءة؟
هل نحن أمام شخصية حقيقية معروفة في الحقل الفكري أو الأكاديمي، أم أمام اسمٍ يظهر في الفضاء الإعلامي دون خلفية واضحة؟
وهل هذا الاسم المتداول يعبر فعلاً عن شخص بعينه، أم أنه مجرد اسم مستعار يُستخدم في ساحة الإعلام الرقمي كما يحدث كثيراً في زمن الحروب الإعلامية؟
ثم يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية:
هل هذا الصوت الذي يكتب من داخل البيئة اليمنية بالفعل، أم أنه يكتب من خارجها؟
وهل نحن أمام كاتب يعبّر عن موقف فكري مستقل، أم عن خطابٍ يتقاطع – بوعي أو بغير وعي – مع أطروحات تُعاد صياغتها في أكثر من منصة إعلامية خارج المنطقة؟
كما أن السؤال يمتد إلى السياق الأوسع:
هل هذا الطرح نابع من قراءة شخصية للصراع في المنطقة، أم أنه جزء من موجة خطابية أوسع تسعى إلى إعادة تعريف الصراع بطريقة مختلفة؟
وهل ما يُطرح هنا يعكس موقفاً فكرياً حقيقياً، أم مجرد خطاب إعلامي يُعاد إنتاجه في الفضاء الرقمي عبر ما بات يُعرف أحياناً بـ«الذباب الإلكتروني» أو المنصات التي تعمل على تشكيل اتجاهات الرأي العام؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يهدف إلى التشكيك أو الاتهام، بل يدخل في إطار التدقيق الواجب في زمن تتداخل فيه الحرب الإعلامية مع الحرب السياسية، وتصبح فيه السرديات أحياناً أخطر من الوقائع نفسها.
فمعرفة مصدر الخطاب وسياقه ليست ترفاً فكرياً، بل خطوة ضرورية لفهم طبيعة الرسائل التي تُبث إلى الرأي العام.
وفي هذا السياق تحديداً يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية:
لماذا يظهر هذا النوع من الطرح في هذا التوقيت بالذات؟
ولماذا يتبنى الفرضية نفسها التي تروّج لها بعض الدوائر الفكرية الغربية، والتي تقول إن ما يجري في المنطقة ليس صراع احتلالٍ وعدوان، بل صراع «نبوءات دينية» متقابلة؟
إن هذا التحويل في زاوية النظر ليس مجرد اختلاف فكري في تفسير الأحداث، بل يمثل انتقالاً خطيراً في قراءة الواقع؛ لأنه ينقل النقاش من أرض السياسة والقانون والحقوق إلى فضاء التأويلات اللاهوتية المجردة.
وحين يحدث ذلك، فإن النتيجة العملية تكون – في كثير من الأحيان – تجريد القضية الفلسطينية من بعدها التحرري والسياسي، وتحويلها إلى مجرد صراع غيبي بين سرديات دينية متقابلة.
وهذا تحديداً هو الإطار الذي حاولت الرواية الصهيونية الترويج له لعقود طويلة، حين سعت إلى تصوير الصراع في المنطقة بوصفه مواجهة دينية قدرية، بدلاً من كونه قضية احتلالٍ واضح المعالم وحقوقٍ تاريخية لشعبٍ ما زال يطالب بحريته وكرامته.
ثانياً: صناعة العدو الوهمي داخل جسد الأمة:
في زمنٍ تتكشّف فيه الحقائق وتتساقط فيه الأقنعة واحدًا تلو الآخر، يظهر خطابٌ يحاول أن يعيد خلط الأوراق من جديد، لا عبر مواجهة العدو الحقيقي، بل عبر صناعة عدوٍ بديل داخل جسد الأمة نفسها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في لحظة تاريخية تعيش فيها المنطقة مواجهة مفتوحة مع المشروع الصهيوني، هو أن يتحول بعض الخطاب الفكري إلى أداة لإعادة تعريف الصراع بطريقة تُفرغ الحقائق من مضمونها، وتساوي بين الضحية والجلاد، وبين من يقاوم الاحتلال ومن يقوم عليه.
فبدلاً من توجيه النقاش نحو العدو الحقيقي، يجري أحياناً نقل المعركة إلى داخل المجتمع نفسه عبر صناعة عدوٍ بديل داخل جسد الأمة.
وهنا يصبح النقاش منصباً على المذاهب والتيارات، بدلاً من أن يبقى موجهاً نحو المشروع الذي يحتل الأرض ويصادر الحقوق.
إن التاريخ يخبرنا أن أحد أهم أسلحة المشاريع الاستعمارية لم يكن السلاح العسكري وحده، بل القدرة على زرع الشقاق داخل المجتمعات المستهدفة، عبر تغذية الانقسامات الفكرية والمذهبية والسياسية.
وقد نجحت هذه الاستراتيجية في مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة.
لكن السنوات الأخيرة كشفت أيضاً أن هذا الأسلوب بدأ يفقد الكثير من فاعليته، لأن الواقع الميداني كشف حقيقة بسيطة: أن العدو الذي يحتل الأرض ويقتل المدنيين لا يسأل عن المذهب أو المدرسة الفكرية لمن يقف ضده.
ثالثاً: المهدوية… عقيدة إسلامية راسخة لا اختراع سياسي:
أحد أبرز الإشكالات في هذا النوع من الخطاب هو تصوير عقيدة الإمام المهدي وكأنها مجرد خطاب تعبوي مرتبط بظروف سياسية معاصرة.
وهذا الطرح يتجاهل حقيقة تاريخية وعقدية واضحة في التراث الإسلامي.
فالإيمان بخروج المهدي من أهل بيت النبي محمد صلوات الله عليه وعلى آله ليس فكرة حديثة ولا اجتهاداً سياسياً معاصراً، بل معتقد ورد في مصادر متعددة لدى مدارس المسلمين.
فبعيدا عن التراث الشيعي بل وفي التراث السني نفسه ورد ذلك،
وعلى سبيل المثال لا الحصر: وردت أحاديث كثيرة في هذا الباب، منها قول النبي صلوات الله عليه وعلى آله
«لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».
كما أن هذا المعتقد حاضر أيضاً في تراث الشيعة الإمامية والزيدية مع اختلاف معروف في تفاصيل الغيبة أو وقت الظهور.
لكن الأصل العقدي نفسه موجود في التراث الإسلامي المشترك.
ومن هنا فإن تصوير المهدوية باعتبارها مجرد أداة تعبئة سياسية هو تبسيط شديد لقضية دينية لها جذور عميقة في الفكر الإسلامي.
رابعاً: المهدوية ليست بحثاً عن الفوضى:
ومن النقاط التي تحتاج إلى توضيح أن الحديث عن امتلاء الأرض ظلماً وجوراً قبل ظهور المهدي لا يعني أن المؤمنين يبحثون عن الفوضى أو يسعون إلى نشر الظلم.
فالفساد والظلم ظاهرتان ملازمتان لتاريخ البشر منذ بدايته، كما يشير القرآن الكريم في أكثر من موضع.
قال تعالى:
﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾
وقال سبحانه في حوار الملائكة عند خلق الإنسان:
﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾
وهذا يدل على أن الصراع بين العدل والظلم جزء من مسار التاريخ الإنساني.
لكن القرآن في الوقت نفسه يذكر وعداً إلهياً واضحاً بالاستخلاف والتمكين:
﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً﴾.
ومن هنا فإن فكرة الاستخلاف والعدل الشامل الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً تبقى وعداً إلهياً ينتظر تحقق شروطه عبر مسار التاريخ.
خامساً: الفارق الجوهري بين المهدوية والصهيونية الدينية:
إن المقارنة بين عقيدة المهدوية الإسلامية وبين اللاهوت السياسي الصهيوني تتجاهل فارقاً جوهرياً بين المشروعين.
فالصهيونية الدينية المتطرفة تقوم على مشروع استيطاني إحلالي يقوم على اقتلاع شعب كامل من أرضه وإحلال شعب آخر مكانه.
بينما تقوم فكرة المهدوية في الإسلام على إقامة العدل ورفع الظلم.
الأولى تقوم على فكرة التفوق العرقي والهيمنة السياسية.
أما الثانية فتقوم على وعدٍ إلهي بإقامة العدل بين البشر.
ولهذا فإن المساواة بينهما ليست قراءة تحليلية متوازنة، بل خلط بين مشروعين مختلفين في الجوهر والغاية.
سادساً: خلط المفاهيم بين المقاومة والأسطورة:
من الأخطاء المتكررة في بعض التحليلات محاولة تصوير القوى التي تقاوم الاحتلال وكأنها تتحرك بدافع «استعجال النبوءة».
وهذا تفسير يتجاهل حقيقة واضحة: أن مقاومة الاحتلال ليست ظاهرة لاهوتية، بل حق قانوني وإنساني أقرته الشرائع والقوانين الدولية.
فحين يقاوم شعبٌ احتلالاً عسكرياً لأرضه، فإنه لا يفعل ذلك بدافع أسطوري، بل بدافع الدفاع عن حقه في الحرية والكرامة.
ولهذا فإن اختزال هذه المقاومة في إطار «سرديات نهاية العالم» هو قراءة تبتعد كثيراً عن الواقع السياسي والتاريخي.
سابعاً: الأمة وعدوها الحقيقي:
رغم كل الخلافات المذهبية والسياسية داخل العالم الإسلامي، فإن هناك حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: أن ما يجمع المسلمين أكبر بكثير مما يفرقهم.
رب واحد.
كتاب واحد.
نبي واحد.
قبلة واحدة.
وأي مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله هو جزء من هذه الأمة مهما اختلفت المدارس الفقهية والاجتهادات العقدية.
لقد حاولت مشاريع كثيرة في الماضي زرع الفتن داخل المجتمعات الإسلامية على أساس المذهب والطائفة، وقد نجحت أحياناً في ذلك.
لكن الواقع الذي نشهده اليوم يكشف شيئاً مختلفاً.
لقد اختلطت دماء المسلمين في أكثر من ساحة، واكتشف كثيرون أن العدو الحقيقي للأمة ليس داخلها، بل في المشروع الذي يحتل الأرض ويصادر الحقوق ويقتل المدنيين.
خاتمة:
إن النقاش الفكري حق مشروع، والاختلاف سنة من سنن الحياة.
لكن حين يتحول النقاش إلى خطاب يخلط بين العقائد الدينية والصراعات السياسية بطريقة تساوي بين المقاومة والاحتلال، فإن من واجبنا أن نقول كلمتنا بوضوح.
المهدوية ليست أسطورة سياسية، بل جزء من التراث العقدي الإسلامي الذي يؤمن به ملايين المسلمين باختلاف مدارسهم.
والصراع في منطقتنا ليس صراع «نبوءات متقابلة».
بل هو صراع واضح بين احتلالٍ قائم على الأرض، وشعوبٍ تسعى للحرية والكرامة.
والوعي بهذه الحقيقة يظل الخطوة الأولى لحماية الأمة من الخطابات التي تحاول إعادة صياغة واقعها بطريقة تُبعده عن جوهره الحقيقي.
#أما_بعد …
فإن عقيدة المهدوية ليست فكرة طارئة في لحظة سياسية عابرة، ولا شعاراً تعبويّاً يُستدعى عند الأزمات، بل هي جزء أصيل من الوجدان العقدي الإسلامي، ثابتة في تراث الأمة ومصادرها، ومحل إيمانٍ لدى ملايين المسلمين على اختلاف مدارسهم واجتهاداتهم.
ولذلك فإن محاولة تصويرها كخرافةٍ سياسية، أو مساواتها بأساطير لاهوتية صهيونية، ليست قراءة علمية ولا تحليلاً متوازناً، بل خلطٌ متعمد للأوراق وتشويهٌ للوعي.
إن الفرق بين المشروعين ليس فرقاً في التفاصيل، بل فرقٌ في الجوهر والغاية:
فالمهدوية وعدٌ إلهي بإقامة العدل ورفع الظلم عن الإنسان،
أما الصهيونية فمشروع استيطاني قام على اقتلاع شعبٍ من أرضه وإحلال شعبٍ آخر مكانه.
ومن هنا فإن أي محاولة لوضع العقيدتين في ميزانٍ واحد ليست تحليلاً موضوعياً، بل مغالطة فكرية تسقط عند أول قراءة جادة للتاريخ والواقع.
لقد حاولت مشاريع كثيرة عبر التاريخ تشويه مفاهيم الأمة، وإعادة صياغة وعيها بطريقة تُربك بوصلتها وتُضلل فهمها للصراع.
لكن الحقيقة تبقى أبسط من كل هذا الضجيج:
ليس في المهدوية ما يبرر الظلم،
ولا في انتظار العدل ما يساوي بين الضحية والجلاد.
ولهذا فإن الدفاع عن هذه العقيدة ليس دفاعاً عن فكرة مذهبية ضيقة، بل دفاع عن أحد معاني الأمل الكبرى في التراث الإسلامي؛ الأمل بأن الظلم مهما طال أمده فلن يكون هو الكلمة الأخيرة في تاريخ البشر.
أما محاولات تشويه هذه العقيدة أو الزج بها في مقارناتٍ مغلوطة، فلن تغيّر من حقيقتها شيئاً، ولن تنجح في تحويل العدل إلى خرافة، ولا الاحتلال إلى روايةٍ متكافئة مع من يقاومه.
وختاماً نقولها بوضوح لا لبس فيه:
مهدينا ليس أسطورة، وعدلُه ليس وهماً، وقضية الأمة ليست صراع نبوءات، بل صراع حقٍ مع احتلال.
ومن أراد قراءة الواقع بإنصاف فليقرأه بعين الحقيقة لا بعين السرديات المصطنعة.
#رفعت_الجلسة ...
مدير عام مكتب التخطيط – م/شبوة
#البحر_المحضار ...
أ. محمد البحر المحضار ...
في اللحظات التاريخية الكبرى لا تُختبر الجيوش وحدها، بل تُختبر العقول أيضًا. وبينما تتشكل ملامح صراعٍ واضح المعالم في المنطقة، يظهر في الفضاء الإعلامي خطابٌ يحاول إعادة تعريف هذا الصراع بطريقة مختلفة: ليس بوصفه مواجهة بين احتلالٍ وشعوبٍ تقاومه، بل بوصفه صراعًا بين «نبوءات دينية متقابلة».
|