|
كتب رياض الفرطوسي
لكي يمتلك الكاتب ترف الرؤية، عليه أولاً أن يدفع ضريبة العزلة؛ فالعين التي تترصد المصلحة لا يمكنها أبداً أن تبصر الحقيقة. يخبرنا ألبير كامو أن نزاهة القلم تبدأ حين ينفض الكاتب يده من بريق المكاسب، فإذا ما وجد نفسه يسير في ركاب الإجماع، ويحظى بمباركة السلطة وتصفيق الحشود، فعليه أن يدرك أنه لم يعد كاتباً، بل أصبح مجرد "تاجر طمأنينة" يبيع للناس ما يودون سماعه. كان الأجدر به حينها أن يهجر المحابر ليعمل في مهنة توفر بضائع ملموسة، بدلاً من تزييف الوعي. إن دور المثقف، كما جسده إدوارد سعيد، لا يكمن في ترتيب المقاعد لراحة الجمهور، بل في زلزلة تلك المقاعد وإرباك السكون لقول كلمة الحق التي تخدش وجه الزيف.
نحن نعيش في غابة من التصنيفات والولاءات "القبلية" التي ارتدت قناع المعاصرة؛ حيث تحول المثقف من باحث عن النور إلى "شيخ عشيرة" يمارس الإقصاء ضد كل من يغرد خارج السرب. لقد استُبدلت حرية الفكر بسجون فكرية ضيقة، وبرزت في هذا المشهد نماذج مشوهة للكتابة. نجد "الكاتب المبرمج" الذي اندفع في دروب النضال بوعي مستعار، فردد الشعارات بلا إدراك كآلة تسجيل صدئة، ضاعت ملامحه الأصلية ولم يستطع تقمص دور التنويري، فبقي عالقاً في منطقة رمادية بين التبعية والادعاء. وثمة "الكاتب المتلون"، ذلك المراوغ الذي يقتنص الظهور في الجنائز والأعراس بذات الحماس، ولا يمانع أن يقف في صدارة المشهد حتى لو كان الثمن هو كرامة القلم، فالمهم لديه هو "الصيت" وليس جوهر الفكرة.
وعلى أرصفة المصلحة، يبرز "الكاتب القناص"، الذي يمتلك غريزة حادة في شم رياح الخطر؛ فهو أول من يغادر السفن الموشكة على الغرق، وأول من يظهر على اليابسة بمظهر المنقذ. هو كائن مدجن يخدم كل الأسياد ويقتات من موائد الجميع. وبجواره يتبختر "الكاتب الاستعراضي"، ذلك الذي يعيش خلف جدران المقاهي والصالونات الفارهة، يتحدث عن آلام الفلاحين ببدلة فاخرة وغليون يظنه يمنحه عمقاً فلسفياً، بينما علمه بالواقع لا يتجاوز قشور المصطلحات المستوردة التي يبهر بها السذج.
وفي هذا الضجيج، نصادف "الكاتب الذي يدعي الإحاطة"، فهو يفهم في فيزياء الكون كما يفهم في تفاصيل الحروب البعيدة، يوزع الحلول لمعضلات العالم وهو عاجز عن تنظيم فوضى حياته الخاصة. وبجانبه يقف "الكاتب الوثوقي"، الذي يقدم نفسه حارساً وحيداً للحقائق المطلقة؛ فإما أن يتحدث بلغة "الحتمية التاريخية" أو ينصب نفسه محامياً عن "المقدس" وكأن المطلق يفتقر للقوة ويحتاج لخطاباته المهتزة ليثبت حضوره. هذا النوع يغلق النوافذ أمام أي سؤال، ويحول اللغة إلى قضبان سجن وشواهد قبور، حيث يرى في الاختلاف معه خروجاً عن نواميس الكون.
ولا يكتمل هذا العبث دون "الكاتب المدعي"، ذلك القادم من فراغ التجربة، الذي يُنفخ فيه كبالونة فارغة ويُسوق كبشارة كاذبة، وهو في الحقيقة لا يفقه في أصول المعرفة شيئاً، بل كان وقوداً لصراعات عبثية انتهت بالدموع والرماد. وأخيراً نجد "الكاتب الراقص"، الذي يضرب الطبول في كل محفل، ينتقل من حضن حزب إلى آخر بخفة السنجاب، ويجد لكل خيانة "تبريراً ثورياً" أو "ضرورة واقعية".
إن حشر هؤلاء في بوتقة واحدة ينتج لنا "الكاتب الببغاء"، الكائن الذي يفتقر لأي مشروع سوى البقاء في دائرة الضوء. وفي مقابل هذا الزحام، يقف "الكاتب النقدي" وحيداً كشاهد أخير على الوجع الإنساني. إنه الكائن الأعزل الذي لا يبيع حبره في أسواق النخاسة، ولا يبالي إن كان الجمهور يحبه أم يمقته، لأن غايته "الفهم" لا "التصفيق". هو الذي يدرك، كما قال نيتشه، أن الحقيقة مرّة ولا يطيقها إلا من يملك شجاعة الرحيل عن الأوهام. وجوده في هذا العالم الصاخب يشبه وجود ناسك في سوق للمزايدات؛ هو صوت الضمير الذي يغني حين يصمت الجميع، وهو الجمرة التي تحرق الغشاوة ليرى القارئ، أخيراً، وجهه الحقيقي في مرآة النص.
كتب رياض الفرطوسي
لكي يمتلك الكاتب ترف الرؤية، عليه أولاً أن يدفع ضريبة العزلة؛ فالعين التي تترصد المصلحة لا يمكنها أبداً أن تبصر الحقيقة. يخبرنا ألبير كامو أن نزاهة القلم تبدأ حين ينفض الكاتب يده من بريق المكاسب، فإذا ما وجد نفسه يسير في ركاب الإجماع، ويحظى بمباركة السلطة وتصفيق الحشود، فعليه أن يدرك أنه لم يعد كاتباً، بل أصبح مجرد "تاجر طمأنينة" يبيع للناس ما يودون سماعه. كان الأجدر به حينها أن يهجر المحابر ليعمل في مهنة توفر بضائع ملموسة، بدلاً من تزييف الوعي. إن دور المثقف، كما جسده إدوارد سعيد، لا يكمن في ترتيب المقاعد لراحة الجمهور، بل في زلزلة تلك المقاعد وإرباك السكون لقول كلمة الحق التي تخدش وجه الزيف.
نحن نعيش في غابة من التصنيفات والولاءات "القبلية" التي ارتدت قناع المعاصرة؛ حيث تحول المثقف من باحث عن النور إلى "شيخ عشيرة" يمارس الإقصاء ضد كل من يغرد خارج السرب. لقد استُبدلت حرية الفكر بسجون فكرية ضيقة، وبرزت في هذا المشهد نماذج مشوهة للكتابة. نجد "الكاتب المبرمج" الذي اندفع في دروب النضال بوعي مستعار، فردد الشعارات بلا إدراك كآلة تسجيل صدئة، ضاعت ملامحه الأصلية ولم يستطع تقمص دور التنويري، فبقي عالقاً في منطقة رمادية بين التبعية والادعاء. وثمة "الكاتب المتلون"، ذلك المراوغ الذي يقتنص الظهور في الجنائز والأعراس بذات الحماس، ولا يمانع أن يقف في صدارة المشهد حتى لو كان الثمن هو كرامة القلم، فالمهم لديه هو "الصيت" وليس جوهر الفكرة.
وعلى أرصفة المصلحة، يبرز "الكاتب القناص"، الذي يمتلك غريزة حادة في شم رياح الخطر؛ فهو أول من يغادر السفن الموشكة على الغرق، وأول من يظهر على اليابسة بمظهر المنقذ. هو كائن مدجن يخدم كل الأسياد ويقتات من موائد الجميع. وبجواره يتبختر "الكاتب الاستعراضي"، ذلك الذي يعيش خلف جدران المقاهي والصالونات الفارهة، يتحدث عن آلام الفلاحين ببدلة فاخرة وغليون يظنه يمنحه عمقاً فلسفياً، بينما علمه بالواقع لا يتجاوز قشور المصطلحات المستوردة التي يبهر بها السذج.
وفي هذا الضجيج، نصادف "الكاتب الذي يدعي الإحاطة"، فهو يفهم في فيزياء الكون كما يفهم في تفاصيل الحروب البعيدة، يوزع الحلول لمعضلات العالم وهو عاجز عن تنظيم فوضى حياته الخاصة. وبجانبه يقف "الكاتب الوثوقي"، الذي يقدم نفسه حارساً وحيداً للحقائق المطلقة؛ فإما أن يتحدث بلغة "الحتمية التاريخية" أو ينصب نفسه محامياً عن "المقدس" وكأن المطلق يفتقر للقوة ويحتاج لخطاباته المهتزة ليثبت حضوره. هذا النوع يغلق النوافذ أمام أي سؤال، ويحول اللغة إلى قضبان سجن وشواهد قبور، حيث يرى في الاختلاف معه خروجاً عن نواميس الكون.
ولا يكتمل هذا العبث دون "الكاتب المدعي"، ذلك القادم من فراغ التجربة، الذي يُنفخ فيه كبالونة فارغة ويُسوق كبشارة كاذبة، وهو في الحقيقة لا يفقه في أصول المعرفة شيئاً، بل كان وقوداً لصراعات عبثية انتهت بالدموع والرماد. وأخيراً نجد "الكاتب الراقص"، الذي يضرب الطبول في كل محفل، ينتقل من حضن حزب إلى آخر بخفة السنجاب، ويجد لكل خيانة "تبريراً ثورياً" أو "ضرورة واقعية".
إن حشر هؤلاء في بوتقة واحدة ينتج لنا "الكاتب الببغاء"، الكائن الذي يفتقر لأي مشروع سوى البقاء في دائرة الضوء. وفي مقابل هذا الزحام، يقف "الكاتب النقدي" وحيداً كشاهد أخير على الوجع الإنساني. إنه الكائن الأعزل الذي لا يبيع حبره في أسواق النخاسة، ولا يبالي إن كان الجمهور يحبه أم يمقته، لأن غايته "الفهم" لا "التصفيق". هو الذي يدرك، كما قال نيتشه، أن الحقيقة مرّة ولا يطيقها إلا من يملك شجاعة الرحيل عن الأوهام. وجوده في هذا العالم الصاخب يشبه وجود ناسك في سوق للمزايدات؛ هو صوت الضمير الذي يغني حين يصمت الجميع، وهو الجمرة التي تحرق الغشاوة ليرى القارئ، أخيراً، وجهه الحقيقي في مرآة النص.
|