
بقلم: حيدر الشبلاوي
باحث في أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلام
المتخصص في الإعلام العسكري والدراسات الأمنية
---
في الساعات الأولى من فجر اليوم، اهتزت المنطقة الصحراوية الواقعة بين محافظتي كربلاء والنجف الأشرف على وقع هجوم آثم ومأساوي، استهدف قوة عسكرية عراقية من قيادة عمليات كربلاء أثناء تأديتها واجب التفتيش، ليرتفع صوت الرصاص ليعلن استشهاد مقاتل وإصابة اثنين آخرين، في حادث وصفه المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء عبر المستشار الإعلامي المهندس صباح النعمان بأنه مدان ومستهجن، مؤكداً أن تكرار مثل هذه الحوادث بحق القوات الأمنية داخل الأراضي العراقية يعد انتهاكاً صارخاً وعملاً غير مبرر، وأن هذا الخرق يمثل تجاوزاً مرفوضاً سيتم التعامل معه وفق القوانين والأعراف العسكرية النافذة، مع تشكيل لجنة تحقيقية عليا للوقوف على ملابسات هذا الحادث الأليم.
وفي تطور لافت، كشف الفريق قيس المحمداوي نائب قائد العمليات المشتركة أن القوة التي تعرضت للهجوم كانت مؤلفة من ثلاثة أفواج من الجيش العراقي، وقد تم تكليفها بالتحرك بناء على معلومات استخبارية عن وجود تحركات مشبوهة في البادية، إلا أنها فوجئت بنيران كثيفة من الجو ومن ثم اشتباك بري، ما أدى إلى استشهاد المقاتل وإصابة اثنين، ليتم بعد ذلك تعزيز الموقع بقوتين من جهاز مكافحة الإرهاب للبحث والتمشيط، لكن دون العثور على أي أثر للقوات المهاجمة التي بقيت هويتها مجهولة، وهو ما أكدته مصادر محلية في كربلاء، مشيرة إلى أن هذه القوات التي هاجمت ثلاثة أفواج عراقية لا تزال مجهولة الهوية والمصدر، في مشهد يثير الريبة والتساؤلات حول جهة تقوم بهذا النوع من العمليات المركبة داخل العمق العراقي دون أن تترك أي أثر يذكر.
هذا الحادث الذي جمع بين القصف الجوي وإطلاق النار الأرضي لم يكن مجرد اشتباك عابر أو خطأ تكتيكي يمكن تداركه، بل هو مؤشر خطير يعيد فتح الملفات الساخنة في المشهد الأمني العراقي، وأولها ملف السيادة الجوية التي تبدو هشة أمام تعدد الخروقات التي تشهدها الأجواء العراقية، وثانيها ملف حماية القوات البرية التي تتحرك في مناطق مكشوفة دون غطاء جوي كافٍ يؤمن لها السلامة ويحقق لها التفوق الميداني، وثالثها ملف المسؤولية القيادية التي تمتد من القائد الأعلى للقوات المسلحة مروراً بقادة العمليات وصولاً إلى الضابط الميداني الذي يقود رجاله في مواجهة الخطر، ورابعها ملف غموض الهوية الذي يلف المهاجمين، إذ قدم الجانب الرسمي مذكرة احتجاج إلى قوات التحالف الدولي طالباً توضيحاً حول هذه الحادثة، مع التأكيد على عدم وجود أي اتفاق أو موافقة مسبقة على تواجد أي قوة في هذا الموقع، مما يعني أن ما جرى هو خرق سيادي بكل المقاييس.
اللافت في هذا المشهد أن البيان الرسمي الصادر عن مكتب رئيس الوزراء حمل اعترافاً ضمنياً بتكرار هذه الحوادث، وهو ما يثير العديد من التساؤلات حول جدوى التحقيقات السابقة وفعاليتها في وضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة، فإذا كانت التحقيقات العليا التي تشكل بعد كل حادث تؤدي إلى نتائج حاسمة، فلماذا يتكرر السيناريو نفسه مراراً؟ ولماذا تظل القوات البرية العراقية في البادية عرضة للاستهداف رغم كل التحذيرات التي أطلقها الخبراء العسكريون حول ضرورة توفير غطاء جوي متكامل لأي تحرك ميداني في المناطق الصحراوية المفتوحة؟
من الناحية العسكرية الموضوعية، يمكن قراءة هذا الحادث من عدة زوايا، فالزاوية الأولى تتعلق بطبيعة التهديد الذي واجهته القوة العراقية، وهو تهديد مركب يجمع بين القصف الجوي الذي يعكس قدرة الخصم على الوصول إلى العمق العراقي بسهولة، وبين الاشتباك البري الذي يشير إلى وجود تحركات معادية على الأرض تستطيع التمركز والكمين دون أن ترصدها أجهزة الاستخبارات أو طائرات الاستطلاع، وهذا يعني أن الفجوة الأمنية لا تقتصر على الجانب الجوي فحسب، بل تمتد إلى الجانب الاستخباراتي الأرضي الذي يفترض أن يكون قادراً على قراءة تحركات العدو قبل أن يتحرك.
أما الزاوية الثانية فتتعلق بموقع الحادث نفسه، فالمنطقة الصحراوية بين كربلاء والنجف ليست منطقة عادية، بل هي جزء من البادية العراقية الممتدة التي تشكل بيئة حاضنة للتهديدات الأمنية المختلفة، والتي تتطلب عمليات أمنية مستدامة ومتكاملة الأركان، لا مجرد تحركات فردية أو نقاط تفتيش ثابتة يمكن للعدو دراستها واستهدافها بدقة، وهذا يعني أن قيادة العمليات مطالبة اليوم بإعادة النظر في خطط الانتشار ونقاط التمركز، والتأكد من أن كل تحرك ميداني مدعوم بغطاء استخباراتي وجوي كافٍ يحمي الجنود من المفاجآت القاتلة.
الزاوية الثالثة والأهم تتعلق بمسؤولية القائد العام للقوات المسلحة الذي يمثل أعلى سلطة عسكرية في البلاد، وهو المسؤول الأول عن حماية الجنود وسيادة البلاد، فقد أكد البيان الرسمي أن رئيس الوزراء يتابع الملف شخصياً ويوجه بتشكيل لجنة تحقيقية عليا، وهذا إجراء مهم لكنه ليس كافياً، فالمطلوب اليوم من القائد العام هو تجاوز مرحلة البيانات والتحقيقات الروتينية إلى مرحلة القرارات الحاسمة التي تضع حداً لهذه الانتهاكات المتكررة، وأول هذه القرارات هو الكشف عن هوية المعتدي بشفافية كاملة، سواء كان هذا المعتدي تنظيم داعش الإرهابي أو أي جهة خارجية أخرى، لأن الشعب العراقي وأسرة الشهيد لهما الحق في معرفة من قتل ابنهم، ولأن الجيش العراقي له الحق في معرفة عدوه الحقيقي الذي يتعامل معه.
كما أن على القائد العام أن يوجه قيادة العمليات المشتركة إلى مراجعة شاملة لكل الخطط الأمنية في البادية، والتأكد من توفير الإسناد الجوي الكامل للقوات البرية، إما عبر تفعيل طيران الجيش العراقي بشكل أكبر، أو عبر التنسيق المحكم مع قوات التحالف الدولي لتأمين غطاء جوي يحمي القوات العراقية من الاستهداف، فبقاء القوات البرية في مناطق مكشوفة دون غطاء جوي يشبه وضع الجنود في مرمى نيران العدو دون حماية، وهذا ما لا يقبله عسكري محترف ولا يرضاه قائد مسؤول.
من ناحية أخرى، يقع على عاتق قادة العمليات والقطاعات مسؤولية كبيرة في حماية رجالهم، فالقيادة الميدانية ليست مجرد منصب إداري، بل هي مسؤولية أخلاقية وعسكرية تفرض على القائد أن يتأكد بنفسه من سلامة خططه وكفاية إسناد قواته قبل أن يدفع برجاله إلى أي مهمة، خاصة في مناطق معروفة بخطورتها مثل البادية العراقية التي تشهد تحركات معقدة ومتداخلة للعديد من الأطراف، وهذا يعني أن أي تقصير في التخطيط أو التنسيق أو الإسناد يعرض القادة للمساءلة، ويجعلهم شركاء في الدم الذي أريق.
إن استشهاد جندي عراقي في أرضه وهو يؤدي واجبه المقدس في حماية البلاد هو خسارة لا تعوض، وانتهاك صارخ للسيادة الوطنية التي يفترض أن تكون خطاً أحمر لا يسمح لأحد بتجاوزه، والبيانات الرسمية التي تندد وتستنكر وتتوعد بالتحقيق هي واجبة ومهمة، لكن الأهم هو أن تتحول هذه البيانات إلى أفعال على الأرض، وأن تثبت الحكومة والقيادة العسكرية أن دم الجندي العراقي ليس رخيصاً، وأن السيادة العراقية ليست شعاراً يرفع في المناسبات فقط، بل هي واقع يفرض بالقوة حيناً وبالحكمة حيناً آخر، وبالاستعداد الدائم لمواجهة أي تهديد في أي وقت.
وهنا يبرز سؤال مشروع تطرحه الأوساط الشعبية والرسمية في كربلاء: لماذا لا يتم فتح باب التطوع لتشكيل قوات دورية إضافية من أبناء المحافظة أنفسهم، تكون مهمتها الأساسية مساندة الجيش والأجهزة الأمنية في حماية البادية والمناطق الصحراوية، إلى حين انتهاء هذه الظروف الأمنية الاستثنائية التي تمر بها المنطقة؟ فكربلاء تمتلك من الرجال الغيورين وأبناء العشائر الذين يعرفون تضاريس الصحراء ويجيدون التعامل مع طبيعتها الوعرة، ويمكن استثمار هذه الطاقات في تشكيل قوات احتياطية أو دوريات محلية تعمل تحت إمرة القيادات الأمنية الرسمية، مما يسهم في سد الثغرات وتعزيز التواجد الأمني دون الحاجة إلى الاعتماد الكلي على الجيش وحده الذي باتت مهامه فوق طاقته في ظل اتساع رقعة البادية وكثرة التحديات، فهذه الفكرة لو طبقت قد تشكل رادعاً إضافياً لأي قوة معادية تفكر في استهداف العمق العراقي، وتؤكد أن حماية الأرض مسؤولية مجتمعية قبل أن تكون واجباً رسمياً.
إن ما يجري على امتداد البادية العراقية، من شمال البلاد حتى جنوبها الغربي، وبالتحديد على طول الشريط الحدودي الممتد، يؤكد حاجة العراق الماسة إلى استراتيجية أمنية متكاملة تقوم على عنصرين أساسيين: الأول بشري، والثاني تقني. فمن الناحية البشرية، لم يعد مقبولاً أن تبقى هذه المساحات الشاسعة من الصحراء معتمدة فقط على قوات الجيش والشرطة التي باتت مهامها فوق طاقتها، بل آن الأوان للتفكير جدياً بتشكيل قوة شعبية تطوعية من جميع محافظات العراق، تضم أبناء العشائر والمناطق الحدودية ممن يعرفون تضاريس الصحراء وخفاياها، وتكون مهمتها الأساسية مساندة القوات المسلحة في حماية البادية على طول وعمق الشريط الحدودي، خاصة في الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، على أن تعمل هذه القوة تحت إمرة القيادات العسكرية الرسمية وبما لا يتعارض مع هيكلية المؤسسة الأمنية. أما من الناحية التقنية، فلا بد من الإسراع في توزيع أماكن الرصد والمراقبة الجوية والبرية، وتفعيل حركات الاتصال والتنسيق بين غرف العمليات المختلفة، ونصب رادارات متطورة تغطي كامل الأجواء العراقية، وتزويد القوات الميدانية بمنظومات دفاعية متكاملة تحميها من التهديدات الجوية المتزايدة، خصوصاً مع تصاعد استخدام الطائرات المسيرة في الصراعات الحديثة.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري حول مصادر التسليح والدفاع، خاصة في ظل التعاطي الأمريكي المتكرر مع السيادة العراقية، والإدارة الحالية التي لم تظهر أي احترام للاتفاقيات الموقعة، واستمرار الخروقات الجوية والبرية التي تطال الأراضي العراقية بدعم أمريكي واضح، وتورط الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وعملائهما في المنطقة، وكل من شارك معهم في استهداف القيادات العسكرية العراقية من جيش وشرطة وأجهزة أمنية، وقتل المئات من أبناء القوات المسلحة، وهي كلها أفعال تمثل خرقاً فاضحاً للسيادة العراقية وللاتفاقية الاستراتيجية الموقعة بين بغداد وواشنطن، والتي انتهت عملياً بعد أن خرقت الولايات المتحدة كل الأخلاق والأعراف الدولية، وأصبحت شريكاً في الدم العراقي بدلاً من أن تكون حليفاً. لذلك، فإن التوجه نحو تنويع مصادر التسليح والاعتماد على دول صديقة أثبتت احترامها للسيادة العراقية، مثل الصين وروسيا، بات ضرورة ملحة وليس خياراً تكميلياً، خاصة في مجال المنظومات الدفاعية الجوية والرادارات وأنظمة المراقبة والاتصالات التي تشكل العمود الفقري لأي استراتيجية دفاعية وطنية.
إن ما يزيد المشهد تعقيداً وخطورة، هو تورط دول إقليمية وعربية في دعم وتسليح وتغطية هذه القوات المجهولة التي تنشط داخل العمق العراقي، وبالتحديد في بادية الشام الممتدة على الحدود مع سوريا والأردن والسعودية، والتي تشهد تحركات مريبة وتنسيقاً خلف الكواليس بين أطراف متعددة. فالتقارير الاستخبارية والمصادر الميدانية تؤكد أن ما يجري في هذه البادية يتم بتعاون أردني سعودي مع تنظيمات مسلحة تابعة لدواعش الجولاني، وبمشاركة أربع دول عربية مجاورة على الأقل، تعمل جميعها على زعزعة الأمن العراقي واستهداف القوات الأمنية، بدعم لوجستي واستخباراتي غربي، وتحديداً أمريكي وإسرائيلي. هذا التورط الإقليمي المكشوف يضع العراق أمام تحدٍ وجودي حقيقي، فلم تعد المعركة مقتصرة على تنظيمات إرهابية عابرة للحدود، بل أصبحت مواجهة مفتوحة مع دول مجاورة تستخدم أرضها وسمائها وأجهزتها لضرب العمق العراقي، وتوفر الملاذات الآمنة والغطاء السياسي للقوات المهاجمة، التي تبقى هويتها مجهولة رغم معرفة الجميع بمصادرها وداعميها، وهذا ما يستدعي موقفاً عراقياً حازماً على المستويين الدبلوماسي والعسكري، ومراجعة شاملة للعلاقات مع هذه الدول، وإعادة النظر في جميع الاتفاقيات الموقعة معها، لأن الصمت عن هذه الانتهاكات لن يولد إلا المزيد من الاستهدافات والدماء.
العراق اليوم أمام اختبار حقيقي، إما أن يتحول هذا الحادث إلى نقطة تحول حاسمة تعيد هيكلة العمل الأمني في البادية وتعزز السيادة الجوية وتوفر الحماية الكاملة للقوات البرية، وتفتح الباب أمام المبادرات الوطنية المساندة، وتعيد النظر في سياسات التسليح والتحالفات الدولية، وتكشف المتورطين إقليمياً ودولياً في سفك الدم العراقي، وإما أن يبقى مجرد رقم يضاف إلى سلسلة الحوادث المؤسفة التي تعلن عنها البيانات الرسمية ثم تطويها النسيان، ليظل الجنود في الميدان يواجهون الموت وحيدين، وتظل السماء ممراً آمناً للطائرات المعادية، وتظل الحدود منفضة للدول المجاورة، ويظل الدم العراقي هو الثمن الأغلى الذي يدفعه الأبطال كل يوم.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والشفاء العاجل للجرحى، والمسؤولية الكبرى تقع على عاتق القائد العام والقادة الميدانيين لضمان عدم تكرار هذا الحادث الأليم، ولإثبات أن الدولة العراقية قادرة على حماية جنودها كما تحمي حدودها، وأن السيادة الحقيقية تبدأ من حيث ينتهي الخوف على دم الجندي في أرضه.
بقلم: حيدر الشبلاويباحث في أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الإستراتيجية والإعلامالمتخصص في الإعلام العسكري والدراسات الأمنية
---
في الساعات الأولى من فجر اليوم، اهتزت المنطقة الصحراوية الواقعة بين محافظتي كربلاء والنجف الأشرف على وقع هجوم آثم ومأساوي، استهدف قوة عسكرية عراقية من قيادة عمليات كربلاء أثناء تأديتها واجب التفتيش، ليرتفع صوت الرصاص ليعلن استشهاد مقاتل وإصابة اثنين آخرين، في حادث وصفه المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء عبر المستشار الإعلامي المهندس صباح النعمان بأنه مدان ومستهجن، مؤكداً أن تكرار مثل هذه الحوادث بحق القوات الأمنية داخل الأراضي العراقية يعد انتهاكاً صارخاً وعملاً غير مبرر، وأن هذا الخرق يمثل تجاوزاً مرفوضاً سيتم التعامل معه وفق القوانين والأعراف العسكرية النافذة، مع تشكيل لجنة تحقيقية عليا للوقوف على ملابسات هذا الحادث الأليم.
وفي تطور لافت، كشف الفريق قيس المحمداوي نائب قائد العمليات المشتركة أن القوة التي تعرضت للهجوم كانت مؤلفة من ثلاثة أفواج من الجيش العراقي، وقد تم تكليفها بالتحرك بناء على معلومات استخبارية عن وجود تحركات مشبوهة في البادية، إلا أنها فوجئت بنيران كثيفة من الجو ومن ثم اشتباك بري، ما أدى إلى استشهاد المقاتل وإصابة اثنين، ليتم بعد ذلك تعزيز الموقع بقوتين من جهاز مكافحة الإرهاب للبحث والتمشيط، لكن دون العثور على أي أثر للقوات المهاجمة التي بقيت هويتها مجهولة، وهو ما أكدته مصادر محلية في كربلاء، مشيرة إلى أن هذه القوات التي هاجمت ثلاثة أفواج عراقية لا تزال مجهولة الهوية والمصدر، في مشهد يثير الريبة والتساؤلات حول جهة تقوم بهذا النوع من العمليات المركبة داخل العمق العراقي دون أن تترك أي أثر يذكر.
هذا الحادث الذي جمع بين القصف الجوي وإطلاق النار الأرضي لم يكن مجرد اشتباك عابر أو خطأ تكتيكي يمكن تداركه، بل هو مؤشر خطير يعيد فتح الملفات الساخنة في المشهد الأمني العراقي، وأولها ملف السيادة الجوية التي تبدو هشة أمام تعدد الخروقات التي تشهدها الأجواء العراقية، وثانيها ملف حماية القوات البرية التي تتحرك في مناطق مكشوفة دون غطاء جوي كافٍ يؤمن لها السلامة ويحقق لها التفوق الميداني، وثالثها ملف المسؤولية القيادية التي تمتد من القائد الأعلى للقوات المسلحة مروراً بقادة العمليات وصولاً إلى الضابط الميداني الذي يقود رجاله في مواجهة الخطر، ورابعها ملف غموض الهوية الذي يلف المهاجمين، إذ قدم الجانب الرسمي مذكرة احتجاج إلى قوات التحالف الدولي طالباً توضيحاً حول هذه الحادثة، مع التأكيد على عدم وجود أي اتفاق أو موافقة مسبقة على تواجد أي قوة في هذا الموقع، مما يعني أن ما جرى هو خرق سيادي بكل المقاييس.
اللافت في هذا المشهد أن البيان الرسمي الصادر عن مكتب رئيس الوزراء حمل اعترافاً ضمنياً بتكرار هذه الحوادث، وهو ما يثير العديد من التساؤلات حول جدوى التحقيقات السابقة وفعاليتها في وضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة، فإذا كانت التحقيقات العليا التي تشكل بعد كل حادث تؤدي إلى نتائج حاسمة، فلماذا يتكرر السيناريو نفسه مراراً؟ ولماذا تظل القوات البرية العراقية في البادية عرضة للاستهداف رغم كل التحذيرات التي أطلقها الخبراء العسكريون حول ضرورة توفير غطاء جوي متكامل لأي تحرك ميداني في المناطق الصحراوية المفتوحة؟
من الناحية العسكرية الموضوعية، يمكن قراءة هذا الحادث من عدة زوايا، فالزاوية الأولى تتعلق بطبيعة التهديد الذي واجهته القوة العراقية، وهو تهديد مركب يجمع بين القصف الجوي الذي يعكس قدرة الخصم على الوصول إلى العمق العراقي بسهولة، وبين الاشتباك البري الذي يشير إلى وجود تحركات معادية على الأرض تستطيع التمركز والكمين دون أن ترصدها أجهزة الاستخبارات أو طائرات الاستطلاع، وهذا يعني أن الفجوة الأمنية لا تقتصر على الجانب الجوي فحسب، بل تمتد إلى الجانب الاستخباراتي الأرضي الذي يفترض أن يكون قادراً على قراءة تحركات العدو قبل أن يتحرك.
أما الزاوية الثانية فتتعلق بموقع الحادث نفسه، فالمنطقة الصحراوية بين كربلاء والنجف ليست منطقة عادية، بل هي جزء من البادية العراقية الممتدة التي تشكل بيئة حاضنة للتهديدات الأمنية المختلفة، والتي تتطلب عمليات أمنية مستدامة ومتكاملة الأركان، لا مجرد تحركات فردية أو نقاط تفتيش ثابتة يمكن للعدو دراستها واستهدافها بدقة، وهذا يعني أن قيادة العمليات مطالبة اليوم بإعادة النظر في خطط الانتشار ونقاط التمركز، والتأكد من أن كل تحرك ميداني مدعوم بغطاء استخباراتي وجوي كافٍ يحمي الجنود من المفاجآت القاتلة.
الزاوية الثالثة والأهم تتعلق بمسؤولية القائد العام للقوات المسلحة الذي يمثل أعلى سلطة عسكرية في البلاد، وهو المسؤول الأول عن حماية الجنود وسيادة البلاد، فقد أكد البيان الرسمي أن رئيس الوزراء يتابع الملف شخصياً ويوجه بتشكيل لجنة تحقيقية عليا، وهذا إجراء مهم لكنه ليس كافياً، فالمطلوب اليوم من القائد العام هو تجاوز مرحلة البيانات والتحقيقات الروتينية إلى مرحلة القرارات الحاسمة التي تضع حداً لهذه الانتهاكات المتكررة، وأول هذه القرارات هو الكشف عن هوية المعتدي بشفافية كاملة، سواء كان هذا المعتدي تنظيم داعش الإرهابي أو أي جهة خارجية أخرى، لأن الشعب العراقي وأسرة الشهيد لهما الحق في معرفة من قتل ابنهم، ولأن الجيش العراقي له الحق في معرفة عدوه الحقيقي الذي يتعامل معه.
كما أن على القائد العام أن يوجه قيادة العمليات المشتركة إلى مراجعة شاملة لكل الخطط الأمنية في البادية، والتأكد من توفير الإسناد الجوي الكامل للقوات البرية، إما عبر تفعيل طيران الجيش العراقي بشكل أكبر، أو عبر التنسيق المحكم مع قوات التحالف الدولي لتأمين غطاء جوي يحمي القوات العراقية من الاستهداف، فبقاء القوات البرية في مناطق مكشوفة دون غطاء جوي يشبه وضع الجنود في مرمى نيران العدو دون حماية، وهذا ما لا يقبله عسكري محترف ولا يرضاه قائد مسؤول.
من ناحية أخرى، يقع على عاتق قادة العمليات والقطاعات مسؤولية كبيرة في حماية رجالهم، فالقيادة الميدانية ليست مجرد منصب إداري، بل هي مسؤولية أخلاقية وعسكرية تفرض على القائد أن يتأكد بنفسه من سلامة خططه وكفاية إسناد قواته قبل أن يدفع برجاله إلى أي مهمة، خاصة في مناطق معروفة بخطورتها مثل البادية العراقية التي تشهد تحركات معقدة ومتداخلة للعديد من الأطراف، وهذا يعني أن أي تقصير في التخطيط أو التنسيق أو الإسناد يعرض القادة للمساءلة، ويجعلهم شركاء في الدم الذي أريق.
إن استشهاد جندي عراقي في أرضه وهو يؤدي واجبه المقدس في حماية البلاد هو خسارة لا تعوض، وانتهاك صارخ للسيادة الوطنية التي يفترض أن تكون خطاً أحمر لا يسمح لأحد بتجاوزه، والبيانات الرسمية التي تندد وتستنكر وتتوعد بالتحقيق هي واجبة ومهمة، لكن الأهم هو أن تتحول هذه البيانات إلى أفعال على الأرض، وأن تثبت الحكومة والقيادة العسكرية أن دم الجندي العراقي ليس رخيصاً، وأن السيادة العراقية ليست شعاراً يرفع في المناسبات فقط، بل هي واقع يفرض بالقوة حيناً وبالحكمة حيناً آخر، وبالاستعداد الدائم لمواجهة أي تهديد في أي وقت.
وهنا يبرز سؤال مشروع تطرحه الأوساط الشعبية والرسمية في كربلاء: لماذا لا يتم فتح باب التطوع لتشكيل قوات دورية إضافية من أبناء المحافظة أنفسهم، تكون مهمتها الأساسية مساندة الجيش والأجهزة الأمنية في حماية البادية والمناطق الصحراوية، إلى حين انتهاء هذه الظروف الأمنية الاستثنائية التي تمر بها المنطقة؟ فكربلاء تمتلك من الرجال الغيورين وأبناء العشائر الذين يعرفون تضاريس الصحراء ويجيدون التعامل مع طبيعتها الوعرة، ويمكن استثمار هذه الطاقات في تشكيل قوات احتياطية أو دوريات محلية تعمل تحت إمرة القيادات الأمنية الرسمية، مما يسهم في سد الثغرات وتعزيز التواجد الأمني دون الحاجة إلى الاعتماد الكلي على الجيش وحده الذي باتت مهامه فوق طاقته في ظل اتساع رقعة البادية وكثرة التحديات، فهذه الفكرة لو طبقت قد تشكل رادعاً إضافياً لأي قوة معادية تفكر في استهداف العمق العراقي، وتؤكد أن حماية الأرض مسؤولية مجتمعية قبل أن تكون واجباً رسمياً.
إن ما يجري على امتداد البادية العراقية، من شمال البلاد حتى جنوبها الغربي، وبالتحديد على طول الشريط الحدودي الممتد، يؤكد حاجة العراق الماسة إلى استراتيجية أمنية متكاملة تقوم على عنصرين أساسيين: الأول بشري، والثاني تقني. فمن الناحية البشرية، لم يعد مقبولاً أن تبقى هذه المساحات الشاسعة من الصحراء معتمدة فقط على قوات الجيش والشرطة التي باتت مهامها فوق طاقتها، بل آن الأوان للتفكير جدياً بتشكيل قوة شعبية تطوعية من جميع محافظات العراق، تضم أبناء العشائر والمناطق الحدودية ممن يعرفون تضاريس الصحراء وخفاياها، وتكون مهمتها الأساسية مساندة القوات المسلحة في حماية البادية على طول وعمق الشريط الحدودي، خاصة في الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، على أن تعمل هذه القوة تحت إمرة القيادات العسكرية الرسمية وبما لا يتعارض مع هيكلية المؤسسة الأمنية. أما من الناحية التقنية، فلا بد من الإسراع في توزيع أماكن الرصد والمراقبة الجوية والبرية، وتفعيل حركات الاتصال والتنسيق بين غرف العمليات المختلفة، ونصب رادارات متطورة تغطي كامل الأجواء العراقية، وتزويد القوات الميدانية بمنظومات دفاعية متكاملة تحميها من التهديدات الجوية المتزايدة، خصوصاً مع تصاعد استخدام الطائرات المسيرة في الصراعات الحديثة.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري حول مصادر التسليح والدفاع، خاصة في ظل التعاطي الأمريكي المتكرر مع السيادة العراقية، والإدارة الحالية التي لم تظهر أي احترام للاتفاقيات الموقعة، واستمرار الخروقات الجوية والبرية التي تطال الأراضي العراقية بدعم أمريكي واضح، وتورط الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وعملائهما في المنطقة، وكل من شارك معهم في استهداف القيادات العسكرية العراقية من جيش وشرطة وأجهزة أمنية، وقتل المئات من أبناء القوات المسلحة، وهي كلها أفعال تمثل خرقاً فاضحاً للسيادة العراقية وللاتفاقية الاستراتيجية الموقعة بين بغداد وواشنطن، والتي انتهت عملياً بعد أن خرقت الولايات المتحدة كل الأخلاق والأعراف الدولية، وأصبحت شريكاً في الدم العراقي بدلاً من أن تكون حليفاً. لذلك، فإن التوجه نحو تنويع مصادر التسليح والاعتماد على دول صديقة أثبتت احترامها للسيادة العراقية، مثل الصين وروسيا، بات ضرورة ملحة وليس خياراً تكميلياً، خاصة في مجال المنظومات الدفاعية الجوية والرادارات وأنظمة المراقبة والاتصالات التي تشكل العمود الفقري لأي استراتيجية دفاعية وطنية.
إن ما يزيد المشهد تعقيداً وخطورة، هو تورط دول إقليمية وعربية في دعم وتسليح وتغطية هذه القوات المجهولة التي تنشط داخل العمق العراقي، وبالتحديد في بادية الشام الممتدة على الحدود مع سوريا والأردن والسعودية، والتي تشهد تحركات مريبة وتنسيقاً خلف الكواليس بين أطراف متعددة. فالتقارير الاستخبارية والمصادر الميدانية تؤكد أن ما يجري في هذه البادية يتم بتعاون أردني سعودي مع تنظيمات مسلحة تابعة لدواعش الجولاني، وبمشاركة أربع دول عربية مجاورة على الأقل، تعمل جميعها على زعزعة الأمن العراقي واستهداف القوات الأمنية، بدعم لوجستي واستخباراتي غربي، وتحديداً أمريكي وإسرائيلي. هذا التورط الإقليمي المكشوف يضع العراق أمام تحدٍ وجودي حقيقي، فلم تعد المعركة مقتصرة على تنظيمات إرهابية عابرة للحدود، بل أصبحت مواجهة مفتوحة مع دول مجاورة تستخدم أرضها وسمائها وأجهزتها لضرب العمق العراقي، وتوفر الملاذات الآمنة والغطاء السياسي للقوات المهاجمة، التي تبقى هويتها مجهولة رغم معرفة الجميع بمصادرها وداعميها، وهذا ما يستدعي موقفاً عراقياً حازماً على المستويين الدبلوماسي والعسكري، ومراجعة شاملة للعلاقات مع هذه الدول، وإعادة النظر في جميع الاتفاقيات الموقعة معها، لأن الصمت عن هذه الانتهاكات لن يولد إلا المزيد من الاستهدافات والدماء.
العراق اليوم أمام اختبار حقيقي، إما أن يتحول هذا الحادث إلى نقطة تحول حاسمة تعيد هيكلة العمل الأمني في البادية وتعزز السيادة الجوية وتوفر الحماية الكاملة للقوات البرية، وتفتح الباب أمام المبادرات الوطنية المساندة، وتعيد النظر في سياسات التسليح والتحالفات الدولية، وتكشف المتورطين إقليمياً ودولياً في سفك الدم العراقي، وإما أن يبقى مجرد رقم يضاف إلى سلسلة الحوادث المؤسفة التي تعلن عنها البيانات الرسمية ثم تطويها النسيان، ليظل الجنود في الميدان يواجهون الموت وحيدين، وتظل السماء ممراً آمناً للطائرات المعادية، وتظل الحدود منفضة للدول المجاورة، ويظل الدم العراقي هو الثمن الأغلى الذي يدفعه الأبطال كل يوم.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والشفاء العاجل للجرحى، والمسؤولية الكبرى تقع على عاتق القائد العام والقادة الميدانيين لضمان عدم تكرار هذا الحادث الأليم، ولإثبات أن الدولة العراقية قادرة على حماية جنودها كما تحمي حدودها، وأن السيادة الحقيقية تبدأ من حيث ينتهي الخوف على دم الجندي في أرضه.