
بقلم: حيدر الشبلاوي
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الذي جعل شهر رمضان موسمًا للطاعة وميدانًا للعبادة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله الأئمة الطاهرين، لا سيما الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام.
أما بعد،
فإن شهر رمضان المبارك في المذهب الجعفري الأصيل ليس مجرد تقليد موسمي أو عادات اجتماعية توارثها الناس، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة، شرعها الله تعالى لتزكية النفوس وتهذيب الأخلاق. ومع الأسف الشديد، نرى في عصرنا الحاضر محاولات ممنهجة لتحويل هذا الشهر الفضيل إلى موسم للهو والترفيه والمسلسلات والبرامج الهابطة التي لا تمت بصلة إلى الدين، بل تتناقض مع جوهر الرسالة المحمدية الأصيلة.
أولاً: شهر القرآن لا شهر المسلسلات
يقول الله عز وجل في محكم كتابه: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ" (البقرة: 185).
هذه الآية تحدد هوية الشهر؛ فهو شهر القرآن، شهر الهداية، شهر الفرقان بين الحق والباطل. فكيف يليق بمؤمن ينتسب إلى هذا الدين أن يجعل ليالي هذا الشهر المبارك سهرًا على برامج لا ترضي الله، بدلاً من تلاوة القرآن والدعاء والابتهال إلى الله؟ إن الله تعالى جعل هذا الشهر موسماً للتقرب إليه، فمن جعله موسماً للترفيه واللهو فقد خالف أمر الله واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
ثانياً: خطبة النبي (ص) في استقبال رمضان: منهاج حياة
من أعظم النصوص التي تبين روحانية الشهر، خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في استقبال شهر رمضان، والتي رواها الشيخ الصدوق في الأمالي بسنده عن الإمام الرضا عن آبائه عن الإمام الحسين (عليهم السلام). يقول فيها النبي الأعظم (ص):
"أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلاتكم فإنها أفضل الساعات ينظر الله فيها بالرحمة إلى عباده".
هذا النص الشريف يتضمن وصايا واضحة: حفظ اللسان عن الغيبة واللغو، وغض البصر عما حرم الله، وغض السمع عما لا يحل. وهذه الوصايا الثلاث تتناقض تمامًا مع متابعة المسلسلات والأفلام التي تمتلئ بالمشاهد المخلة والألفاظ الساقطة والأغاني المحرمة. إن النبي (ص) لم يترك شاردة ولا واردة في توجيه الأمة إلا وأرشدها إليها، فهل بعد هذا البيان من عذر لمن يضيع أوقاته في اللهو؟
ثالثاً: الإمام الصادق (ع): جوهر الصيام
في المذهب الجعفري، الصوم ليس إمساكًا عن الطعام والشراب فقط، بل هو تربية للجوارح كلها. يقول الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام):
"إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك، ولا يكن يوم صومك كيوم فطرك" (وسائل الشيعة).
ويقول أيضًا (ع):
"ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، ولكن للصوم شرط آخر: حفظ الجوارح عما لا يحل" (تحف العقول).
ويقول (ع):
"إن الصوم ليس من الطعام والشراب وحده، إنما للصوم شرط آخر، إن المرأة الصائمة والصائم إذا لم يحفظا لسانهما وبصرهما وجوارحهما لم يغنهما الجوع والعطش شيئاً".
فهل يرضى مؤمن موالٍ لأهل البيت (ع) أن يكون يوم صومه ويوم فطره سواء؟ هل يليق بمن ينتسب إلى مذهب الإمام الصادق أن يقضي سحره في مشاهدة ما يغضب الله؟ إن الإمام الصادق (ع) يريد لشيعته أن يكونوا قدوة في السلوك والأخلاق، لا أن يكونوا تابعين لنزوات النفس وشهواتها.
رابعاً: علماء المذهب: حراس الهوية
لقد تصدى علماؤنا الأبرار عبر التاريخ لتحريف المفاهيم الدينية، وأكدوا على حرمة إضاعة الأوقات فيما لا ينفع.
1. العلامة المجلسي والشيخ الكليني (رحمهما الله)
في كتابيهما "بحار الأنوار" و"الكافي"، خصصا أبوابًا طويلة لفضائل شهر رمضان وآدابه، ناقلين عن الأئمة (ع) أن هذا الشهر فرصة ثمينة لا تعوض، يجب استغلالها بالدعاء والتضرع، لا باللهو واللعب. المجلسي في بحاره يروي عن الأئمة أن الصائم في محراب العبادة، فكيف يخرج من محرابه إلى مجالس اللهو؟
2. السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره)
وهو من أبرز أعلام الفقه وأصوله، وأستاذ كبار المراجع في الحوزة العلمية. أكد في موسوعته "مستند العروة الوثقى" (كتاب الصوم) على أن الصوم عبادة تحتاج إلى نية خالصة لله، وأن المفطرات لا تقتصر على المادية فقط، بل كل ما يذهب بروحانية الصوم وينافي حالة الإمساك عن المعاصي. السيد الخوئي كان دقيقاً في منهجه الرجالي، يمحص الروايات بدقة علمية، ليصل إلينا الدين نقياً صافياً.
3. الإمام روح الله الموسوي الخميني (قدس سره)
كان يرى أن رمضان هو مدرسة التزكية والسلوك إلى الله. له كتاب "آداب الصلاة" و"سر الصلاة" اللذان يشرحان أسرار العبادات. كان الإمام الخميني يؤكد أن العبادة الخالصة هي التي تصنع الأمة، وكان يحارب بشدة مظاهر الترف والانحلال الأخلاقي التي تغزو المجتمعات الإسلامية باسم الترفيه. يقول الإمام الخميني: "إن شهر رمضان هو شهر تجديد العهد مع الله، فمن لم يتغير فيه للأفضل فمتى يتغير؟"
خامساً: القنوات الفضائية العربية: تحدي الهوية وثقافة النسيان
لا يمكن في سياق هذا البحث إغفال الدور الكبير الذي تلعبه القنوات الفضائية العربية - بما تنشره من فساد اجتماعي وأخلاقي وتاريخي وثقافي - ولا سيما الخليجية والمصرية والعراقية منها، في تشكيل الوعي الجمعي خلال شهر رمضان. فهذه القنوات، وفي مقدمتها قناة MBC السعودية ومجموعة من القنوات المصرية والإماراتية والعراقية، تخصص ميزانيات ضخمة تصل إلى مئات الملايين من الدولارات لإنتاج برامج ومسلسلات تتنافس على جذب المشاهدين طوال الشهر.
لو تتبعنا هذه البرامج بعين البصيرة، لوجدناها دراسة مقصودة ومنهجاً مدروساً، فيها فن التناقض والفساد والمكر والخداع والاحتيال على أصل الشهر وحرمته. إنها ليست مجرد برامج عابرة، بل هي مشروع متكامل لتفريغ الشهر من محتواه الروحي.
1. الاستثمار التجاري لا الروحي
تشير التقارير الإعلامية إلى أن شهر رمضان يمثل ذروة موسم الإعلانات في العالم العربي، حيث تصل حصته من العائدات السنوية للقنوات إلى حوالي 25%. وهذا يفسر السبب وراء تحول الشهر الفضيل إلى موسم إنتاج ضخم، لا همّ له سوى جذب المشاهدين لتحقيق أرباح خيالية، بغض النظر عن مدى تناسب المحتوى مع روحانية الشهر وقدسيته. إنها تجارة بالدين، واستغلال للشهر الكريم لتحقيق مكاسب دنيوية.
2. البرامج الهابطة: برامج المقالب أنموذجاً
من أبرز الظواهر التي تتنافى مع واقع الشهر الفضيل، برامج المقالب التي تعتمد على إحراج الضيوف وإخافتهم بطرق تتنافى مع الكرامة الإنسانية. ومن أشهرها برنامج "رامز" بأنواعه المختلفة الذي يُبث على قنوات MBC.
هذه البرامج، رغم شعبيتها الجماهيرية، تمثل حالة صارخة من التناقض مع قيم الشهر الكريم؛ فهي تمتلئ بالمشاهد التي تثير الرعب والهلع، والألفاظ غير اللائقة، والمواقف المحرجة التي لا تليق بشهر الصوم والتأمل. إنها تعلم الناس القسوة والضحك على آلام الآخرين، بدلاً من تعليمهم الرحمة والتعاطف.
3. الدراما التاريخية: بين الإثارة والفتنة المذهبية
في السنوات الأخيرة، شهدنا موجة من المسلسلات التاريخية الضخمة التي تتناول فترات حساسة من التاريخ الإسلامي. من أبرزها مسلسل "معاوية" الذي أنتجته مجموعة MBC بميزانية تجاوزت 100 مليون دولار.
هذا المسلسل، الذي يتناول شخصية معاوية بن أبي سفيان والفترة التي أعقبت مقتل الخليفة عثمان بن عفان، أثار جدلاً واسعاً في العالم العربي، ووصل الأمر إلى إصدار فتاوى دينية من الأزهر الشريف تحظر مشاهدته، ومنع عرضه في العراق حفاظاً على السلم الأهلي.
المنع العراقي لهذا المسلسل يعكس حساسية خاصة في البلدان ذات التنوع المذهبي، حيث أن تناول شخصيات مثل معاوية بن أبي سفيان التي لها مواقف من الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأهل البيت، يمكن أن يثير نعرات طائفية ويعمق الجروح التاريخية. المسلسل، في نظر نقاده، يقدم قراءة تاريخية تنحو نحو تبرير مواقف بعض الشخصيات وإضفاء الشرعية على صراعات اعتبرها كثير من المؤرخين بداية الانقسام في الأمة.
4. القنوات العراقية: مرآة التناقض
أما في العراق، فالصورة لا تقل تناقضاً. ففي الوقت الذي تمنع فيه السلطات الرسمية عرض مسلسلات تثير الفتنة، فإن القنوات الفضائية العراقية تبث طوال الشهر مزيجاً من البرامج الدينية التي تعلّم أحكام الصلاة والصوم، وبين مسلسلات تركية ومدبلجة وأخرى محلية تتنافى في كثير من محتواها مع أبجديات الشهر الفضيل.
هذا التناقض يعكس حالة التمزق والازدواجية التي تعيشها وسائل الإعلام العراقية، والتي تجد نفسها ممزقة بين رسالتها الدينية وبين سباق الإعلانات التجارية. إنها تعطي بيد وتأخذ بيدين، تقدم الدين في برنامج، ثم تهدمه في برنامج آخر.
سادساً: الظاهرة الأخطر: تحويل رمضان إلى "دي جي نايت كلوب" وثقافة النسيان
لكن الأكثر خطورة وتدميراً، والذي يجب التوقف عنده طويلاً، هو التحول الجذري في مفهوم الشهر نفسه. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد برامج ترفيهية عابرة، بل هو مشروع متكامل لاستبدال ثقافة العبادة بثقافة النسيان، واستبدال ذكر الله باللهو والطرب.
1. من عبادة وتأمل إلى "دي جي نايت كلوب"
كثير من البرامج الرمضانية اليوم تحول ليالي الشهر الفضيل إلى ما يشبه "الدي جي نايت كلوب"؛ سهرات من الرقص والغناء والموسيقى الصاخبة، تمتد حتى ساعات السحر، فتأتي على آخر ما تبقى من روحانية في قلوب الشباب.
إنها ثقافة معادية بامتياز، هدفها أن ينسى المسلم أن هذا الشهر هو شهر جوع الفقير، شهر الإحساس بالآخر، شهر التوبة والإنابة إلى الله. بدلاً من أن يكون شهر تزكية للنفوس، أصبح شهر تربية كلاسيكية ترفيهية، مليئة بالشبهات والخيال الفارغ، ممزوجة بنكهة تُنسب ظلماً إلى الدين والإسلام.
يأتي رمضان فيذكر المسلمين بجوع الفقراء، فتقوم هذه البرامج بتحويله إلى وليمة من اللهو والطرب تنسيهم الفقراء والمحتاجين. يأتي رمضان ليعلمهم الصبر، فتعلمهم هذه البرامج الانفلات والتهور. يأتي رمضان ليربطهم بالله، فتربطهم هذه البرامج بالدنيا وشهواتها.
2. الغدة السرطانية في جسد الأمة
هذه البرامج ليست مجرد وسائل تسلية عابرة، بل هي غدة سرطانية في جسد الأمة الإسلامية. صنعها أعداء الدين والإنسانية، أو صنعها ضعفاء النفوس ممن لا حياء عندهم ولا حرمة لهذا الشهر العظيم. هدفها تشغيل الأمة عن مكانتها الحقيقية، عن دورها الريادي، عن كونها "خير أمة أخرجت للناس".
إنها تريد للمسلم أن يكون مشغولاً بنفسه، بلهوه، بمسلسلاته، ببرامج مقاله، بدلاً من أن يكون قدوة للعالم والبشرية. إنها تريد للأمة أن تنسى قضاياها الكبرى، وتنشغل بتفاهات الحياة وزخرفها الزائل.
3. الآثار التدميرية على الشباب والعوائل
الخطر الأكبر يتركز على الشباب أولاً، ثم على العوائل المسلمة. الشباب هم عماد المستقبل، وهم أكثر فئة معرضة للانجرار وراء هذه البرامج التي تقدم له "فسحة رمضانية" زائفة، عنوانها اللهو والربح السريع، والفكاهة الرخيصة، بدلاً من أن يعمل للآخرة، بدلاً من أن يتاجر مع الله بالطاعة والعبادة.
هذه البرامج تخلق في وجدان الشباب حالة من الازدواجية الخطيرة: صيام بالنهار، وسهر على معصية الله بالليل. وكأن الشهر تحول إلى "كسر عظم" اجتماعي، تتنافس فيه القنوات على من يقدم إعلاناً أكثر جرأة، أو برنامج مقالب أكثر وحشية، أو مسلسلاً أكثر إثارة للشهوات.
أما العوائل، فتجد رب الأسرة وأولاده متفرقين بين قنوات هنا وهناك، لا تجمعهم صلاة ولا دعاء ولا حتى مائدة إفطار واحدة دون أن تكون شاشة التلفاز مسلطة عليهم ببرامجها الهابطة. لقد تحولت البيوت المسلمة في رمضان إلى صالات عرض لهذه البرامج، بدلاً من أن تكون مساجد ورباطات ذكر ودعاء.
4. الاختيار المصيري: بين طاعة الله وهوى النفس
إن من أراد الآخرة حقاً، ومن أراد أن يخرج من هذا الشهر مغفور الذنب، نقياً من الخطايا، فعليه أن يختار. الاختيار واضح لا لبس فيه: إما طاعة الله وما يرضيه، وإما الهوى وحب الدنيا الفانية. لا يمكن الجمع بينهما. لا يمكن أن يكون القلب عامراً بحب الله وفي نفس الوقت متعلقاً بمشاهدة ما يغضبه.
هذه الثقافة المصنعة، هذه الصناعة الإعلامية الضخمة، تتعارض مع الآداب العامة، تتعارض مع أبسط قيم الاحترام لهذا الشهر. هي ثقافة بلا حياء، تريد أن تسرق منا أغلى ما نملك: علاقتنا بالله في أفضل أيام السنة.
يقول الله تعالى: "فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" (الكهف: 110). فمن يرجو لقاء الله عليه أن يعمل عملاً صالحاً، ومشاهدة هذه البرامج ليست عملاً صالحاً، بل هي إشراك للدنيا في عبادة شهر رمضان.
سابعاً: الموقف الشرعي من هذه البرامج
من وجهة النظر الفقهية في المذهب الجعفري، فإن متابعة هذه البرامج والمسلسلات التي تحتوي على مشاهد محرمة، أو موسيقى، أو أغانٍ، أو ألفاظ بذيئة، تتنافى مع روح الصيام، بل قد تذهب بأجر الصائم.
فكما أن الأكل والشرب مفطران للصوم، فإن سماع الغيبة والنميمة والأغاني، والنظر إلى المحرمات، كلها منافٍ لروحانية الشهر ومقصده التربوي. وقد ورد عن النبي (ص): "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
وقول الزور في عصرنا يشمل مشاهدة البرامج التي تروج للباطل وتزين المعصية وتستهين بحرمة الشهر. فالمسلم مطالب بأن يحفظ صومه من كل ما يفسده أو ينقص من أجره.
ثامناً: رمضان بين الهوية الجعفرية والتحديات المعاصرة
إن من أخطر التحديات التي تواجه هويتنا الدينية اليوم، محاولة تفريغ الشهر الفضيل من محتواه الروحي، وملؤه بالمسلسلات والبرامج التي تهدف إلى التسلية والربح المادي على حساب العبادة والطاعة.
إن المذهب الجعفري، بمصادره الأصيلة (القرآن، السنة، العقل، الإجماع)، يرفض رفضًا قاطعًا هذه الممارسات التي تحول شهر الله إلى موسم للهو والطرب، إلى "دي جي نايت كلوب" يمتد ثلاثين ليلة.
نحن بحاجة إلى وعي جمعي يدرك خطورة هذه البرامج، ويحمي شبابنا وعوائلنا من هذا الغزو الإعلامي الممنهج. نحن بحاجة إلى العودة إلى الجوهر الحقيقي للشهر، إلى روحانيته، إلى غايته الأساسية: التقوى.
يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة: 183).
الغاية هي التقوى، فهل هذه البرامج تقربنا إلى التقوى أم تبعدنا عنها؟ الجواب واضح لكل ذي عينين.
تاسعاً:
شهر رمضان ضيف عظيم، لا يأتي كل يوم، ولا يبقى طويلاً. هو فرصة للتغيير، فرصة للتوبة، فرصة للعودة إلى الله. علينا أن نستقبله كما يليق بمكانته، لا كما تشتهيه أنفسنا ولا كما تروج له القنوات الفضائية.
علينا أن نملأ أوقاتنا بتلاوة القرآن، وقراءة الأدعية المأثورة كدعاء الافتتاح ودعاء أبي حمزة الثمالي، ومناجاة الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام)، وأن نجعل من هذا الشهر نقطة تحول في حياتنا نحو الأفضل.
فمن أراد الآخرة فليترك اللهو، ومن أراد النجاة فليبتعد عن هذه البرامج التي تهدف إلى إفساد دينه ودنياه. القرار بأيدينا، والسؤال الذي سنواجه به ربنا: بماذا أمضينا أيام شهرنا؟ هل كانت أيام طاعة أم كانت أيام لهو ونسيان؟
إن شهر رمضان هو اختبار سنوي يمتحن الله به عباده، ليتبين الصادق من الكاذب، والمطيع من العاصي، من جعله شهر عبادة ممن جعله شهر لهو وفساد. ظ
نسأل الله تعالى بجاه محمد وآل محمد أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يصون هويتنا الدينية من محاولات التشويه والتحريف، وأن يوقظ في قلوبنا روح العبادة الحقيقية لا العادة الموسمية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
تمت المقالة بحمد الله وتوفيقه
بقلم: حيدر الشبلاوي
أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام
بقلم: حيدر الشبلاويأكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين الذي جعل شهر رمضان موسمًا للطاعة وميدانًا للعبادة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله الأئمة الطاهرين، لا سيما الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام.
أما بعد،
فإن شهر رمضان المبارك في المذهب الجعفري الأصيل ليس مجرد تقليد موسمي أو عادات اجتماعية توارثها الناس، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة، شرعها الله تعالى لتزكية النفوس وتهذيب الأخلاق. ومع الأسف الشديد، نرى في عصرنا الحاضر محاولات ممنهجة لتحويل هذا الشهر الفضيل إلى موسم للهو والترفيه والمسلسلات والبرامج الهابطة التي لا تمت بصلة إلى الدين، بل تتناقض مع جوهر الرسالة المحمدية الأصيلة.
أولاً: شهر القرآن لا شهر المسلسلات
يقول الله عز وجل في محكم كتابه: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ" (البقرة: 185).
هذه الآية تحدد هوية الشهر؛ فهو شهر القرآن، شهر الهداية، شهر الفرقان بين الحق والباطل. فكيف يليق بمؤمن ينتسب إلى هذا الدين أن يجعل ليالي هذا الشهر المبارك سهرًا على برامج لا ترضي الله، بدلاً من تلاوة القرآن والدعاء والابتهال إلى الله؟ إن الله تعالى جعل هذا الشهر موسماً للتقرب إليه، فمن جعله موسماً للترفيه واللهو فقد خالف أمر الله واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
ثانياً: خطبة النبي (ص) في استقبال رمضان: منهاج حياة
من أعظم النصوص التي تبين روحانية الشهر، خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في استقبال شهر رمضان، والتي رواها الشيخ الصدوق في الأمالي بسنده عن الإمام الرضا عن آبائه عن الإمام الحسين (عليهم السلام). يقول فيها النبي الأعظم (ص):
"أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلاتكم فإنها أفضل الساعات ينظر الله فيها بالرحمة إلى عباده".
هذا النص الشريف يتضمن وصايا واضحة: حفظ اللسان عن الغيبة واللغو، وغض البصر عما حرم الله، وغض السمع عما لا يحل. وهذه الوصايا الثلاث تتناقض تمامًا مع متابعة المسلسلات والأفلام التي تمتلئ بالمشاهد المخلة والألفاظ الساقطة والأغاني المحرمة. إن النبي (ص) لم يترك شاردة ولا واردة في توجيه الأمة إلا وأرشدها إليها، فهل بعد هذا البيان من عذر لمن يضيع أوقاته في اللهو؟
ثالثاً: الإمام الصادق (ع): جوهر الصيام
في المذهب الجعفري، الصوم ليس إمساكًا عن الطعام والشراب فقط، بل هو تربية للجوارح كلها. يقول الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام):
"إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك، ولا يكن يوم صومك كيوم فطرك" (وسائل الشيعة).
ويقول أيضًا (ع):
"ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، ولكن للصوم شرط آخر: حفظ الجوارح عما لا يحل" (تحف العقول).
ويقول (ع):
"إن الصوم ليس من الطعام والشراب وحده، إنما للصوم شرط آخر، إن المرأة الصائمة والصائم إذا لم يحفظا لسانهما وبصرهما وجوارحهما لم يغنهما الجوع والعطش شيئاً".
فهل يرضى مؤمن موالٍ لأهل البيت (ع) أن يكون يوم صومه ويوم فطره سواء؟ هل يليق بمن ينتسب إلى مذهب الإمام الصادق أن يقضي سحره في مشاهدة ما يغضب الله؟ إن الإمام الصادق (ع) يريد لشيعته أن يكونوا قدوة في السلوك والأخلاق، لا أن يكونوا تابعين لنزوات النفس وشهواتها.
رابعاً: علماء المذهب: حراس الهوية
لقد تصدى علماؤنا الأبرار عبر التاريخ لتحريف المفاهيم الدينية، وأكدوا على حرمة إضاعة الأوقات فيما لا ينفع.
1. العلامة المجلسي والشيخ الكليني (رحمهما الله)
في كتابيهما "بحار الأنوار" و"الكافي"، خصصا أبوابًا طويلة لفضائل شهر رمضان وآدابه، ناقلين عن الأئمة (ع) أن هذا الشهر فرصة ثمينة لا تعوض، يجب استغلالها بالدعاء والتضرع، لا باللهو واللعب. المجلسي في بحاره يروي عن الأئمة أن الصائم في محراب العبادة، فكيف يخرج من محرابه إلى مجالس اللهو؟
2. السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره)
وهو من أبرز أعلام الفقه وأصوله، وأستاذ كبار المراجع في الحوزة العلمية. أكد في موسوعته "مستند العروة الوثقى" (كتاب الصوم) على أن الصوم عبادة تحتاج إلى نية خالصة لله، وأن المفطرات لا تقتصر على المادية فقط، بل كل ما يذهب بروحانية الصوم وينافي حالة الإمساك عن المعاصي. السيد الخوئي كان دقيقاً في منهجه الرجالي، يمحص الروايات بدقة علمية، ليصل إلينا الدين نقياً صافياً.
3. الإمام روح الله الموسوي الخميني (قدس سره)
كان يرى أن رمضان هو مدرسة التزكية والسلوك إلى الله. له كتاب "آداب الصلاة" و"سر الصلاة" اللذان يشرحان أسرار العبادات. كان الإمام الخميني يؤكد أن العبادة الخالصة هي التي تصنع الأمة، وكان يحارب بشدة مظاهر الترف والانحلال الأخلاقي التي تغزو المجتمعات الإسلامية باسم الترفيه. يقول الإمام الخميني: "إن شهر رمضان هو شهر تجديد العهد مع الله، فمن لم يتغير فيه للأفضل فمتى يتغير؟"
خامساً: القنوات الفضائية العربية: تحدي الهوية وثقافة النسيان
لا يمكن في سياق هذا البحث إغفال الدور الكبير الذي تلعبه القنوات الفضائية العربية - بما تنشره من فساد اجتماعي وأخلاقي وتاريخي وثقافي - ولا سيما الخليجية والمصرية والعراقية منها، في تشكيل الوعي الجمعي خلال شهر رمضان. فهذه القنوات، وفي مقدمتها قناة MBC السعودية ومجموعة من القنوات المصرية والإماراتية والعراقية، تخصص ميزانيات ضخمة تصل إلى مئات الملايين من الدولارات لإنتاج برامج ومسلسلات تتنافس على جذب المشاهدين طوال الشهر.
لو تتبعنا هذه البرامج بعين البصيرة، لوجدناها دراسة مقصودة ومنهجاً مدروساً، فيها فن التناقض والفساد والمكر والخداع والاحتيال على أصل الشهر وحرمته. إنها ليست مجرد برامج عابرة، بل هي مشروع متكامل لتفريغ الشهر من محتواه الروحي.
1. الاستثمار التجاري لا الروحي
تشير التقارير الإعلامية إلى أن شهر رمضان يمثل ذروة موسم الإعلانات في العالم العربي، حيث تصل حصته من العائدات السنوية للقنوات إلى حوالي 25%. وهذا يفسر السبب وراء تحول الشهر الفضيل إلى موسم إنتاج ضخم، لا همّ له سوى جذب المشاهدين لتحقيق أرباح خيالية، بغض النظر عن مدى تناسب المحتوى مع روحانية الشهر وقدسيته. إنها تجارة بالدين، واستغلال للشهر الكريم لتحقيق مكاسب دنيوية.
2. البرامج الهابطة: برامج المقالب أنموذجاً
من أبرز الظواهر التي تتنافى مع واقع الشهر الفضيل، برامج المقالب التي تعتمد على إحراج الضيوف وإخافتهم بطرق تتنافى مع الكرامة الإنسانية. ومن أشهرها برنامج "رامز" بأنواعه المختلفة الذي يُبث على قنوات MBC.
هذه البرامج، رغم شعبيتها الجماهيرية، تمثل حالة صارخة من التناقض مع قيم الشهر الكريم؛ فهي تمتلئ بالمشاهد التي تثير الرعب والهلع، والألفاظ غير اللائقة، والمواقف المحرجة التي لا تليق بشهر الصوم والتأمل. إنها تعلم الناس القسوة والضحك على آلام الآخرين، بدلاً من تعليمهم الرحمة والتعاطف.
3. الدراما التاريخية: بين الإثارة والفتنة المذهبية
في السنوات الأخيرة، شهدنا موجة من المسلسلات التاريخية الضخمة التي تتناول فترات حساسة من التاريخ الإسلامي. من أبرزها مسلسل "معاوية" الذي أنتجته مجموعة MBC بميزانية تجاوزت 100 مليون دولار.
هذا المسلسل، الذي يتناول شخصية معاوية بن أبي سفيان والفترة التي أعقبت مقتل الخليفة عثمان بن عفان، أثار جدلاً واسعاً في العالم العربي، ووصل الأمر إلى إصدار فتاوى دينية من الأزهر الشريف تحظر مشاهدته، ومنع عرضه في العراق حفاظاً على السلم الأهلي.
المنع العراقي لهذا المسلسل يعكس حساسية خاصة في البلدان ذات التنوع المذهبي، حيث أن تناول شخصيات مثل معاوية بن أبي سفيان التي لها مواقف من الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأهل البيت، يمكن أن يثير نعرات طائفية ويعمق الجروح التاريخية. المسلسل، في نظر نقاده، يقدم قراءة تاريخية تنحو نحو تبرير مواقف بعض الشخصيات وإضفاء الشرعية على صراعات اعتبرها كثير من المؤرخين بداية الانقسام في الأمة.
4. القنوات العراقية: مرآة التناقض
أما في العراق، فالصورة لا تقل تناقضاً. ففي الوقت الذي تمنع فيه السلطات الرسمية عرض مسلسلات تثير الفتنة، فإن القنوات الفضائية العراقية تبث طوال الشهر مزيجاً من البرامج الدينية التي تعلّم أحكام الصلاة والصوم، وبين مسلسلات تركية ومدبلجة وأخرى محلية تتنافى في كثير من محتواها مع أبجديات الشهر الفضيل.
هذا التناقض يعكس حالة التمزق والازدواجية التي تعيشها وسائل الإعلام العراقية، والتي تجد نفسها ممزقة بين رسالتها الدينية وبين سباق الإعلانات التجارية. إنها تعطي بيد وتأخذ بيدين، تقدم الدين في برنامج، ثم تهدمه في برنامج آخر.
سادساً: الظاهرة الأخطر: تحويل رمضان إلى "دي جي نايت كلوب" وثقافة النسيان
لكن الأكثر خطورة وتدميراً، والذي يجب التوقف عنده طويلاً، هو التحول الجذري في مفهوم الشهر نفسه. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد برامج ترفيهية عابرة، بل هو مشروع متكامل لاستبدال ثقافة العبادة بثقافة النسيان، واستبدال ذكر الله باللهو والطرب.
1. من عبادة وتأمل إلى "دي جي نايت كلوب"
كثير من البرامج الرمضانية اليوم تحول ليالي الشهر الفضيل إلى ما يشبه "الدي جي نايت كلوب"؛ سهرات من الرقص والغناء والموسيقى الصاخبة، تمتد حتى ساعات السحر، فتأتي على آخر ما تبقى من روحانية في قلوب الشباب.
إنها ثقافة معادية بامتياز، هدفها أن ينسى المسلم أن هذا الشهر هو شهر جوع الفقير، شهر الإحساس بالآخر، شهر التوبة والإنابة إلى الله. بدلاً من أن يكون شهر تزكية للنفوس، أصبح شهر تربية كلاسيكية ترفيهية، مليئة بالشبهات والخيال الفارغ، ممزوجة بنكهة تُنسب ظلماً إلى الدين والإسلام.
يأتي رمضان فيذكر المسلمين بجوع الفقراء، فتقوم هذه البرامج بتحويله إلى وليمة من اللهو والطرب تنسيهم الفقراء والمحتاجين. يأتي رمضان ليعلمهم الصبر، فتعلمهم هذه البرامج الانفلات والتهور. يأتي رمضان ليربطهم بالله، فتربطهم هذه البرامج بالدنيا وشهواتها.
2. الغدة السرطانية في جسد الأمة
هذه البرامج ليست مجرد وسائل تسلية عابرة، بل هي غدة سرطانية في جسد الأمة الإسلامية. صنعها أعداء الدين والإنسانية، أو صنعها ضعفاء النفوس ممن لا حياء عندهم ولا حرمة لهذا الشهر العظيم. هدفها تشغيل الأمة عن مكانتها الحقيقية، عن دورها الريادي، عن كونها "خير أمة أخرجت للناس".
إنها تريد للمسلم أن يكون مشغولاً بنفسه، بلهوه، بمسلسلاته، ببرامج مقاله، بدلاً من أن يكون قدوة للعالم والبشرية. إنها تريد للأمة أن تنسى قضاياها الكبرى، وتنشغل بتفاهات الحياة وزخرفها الزائل.
3. الآثار التدميرية على الشباب والعوائل
الخطر الأكبر يتركز على الشباب أولاً، ثم على العوائل المسلمة. الشباب هم عماد المستقبل، وهم أكثر فئة معرضة للانجرار وراء هذه البرامج التي تقدم له "فسحة رمضانية" زائفة، عنوانها اللهو والربح السريع، والفكاهة الرخيصة، بدلاً من أن يعمل للآخرة، بدلاً من أن يتاجر مع الله بالطاعة والعبادة.
هذه البرامج تخلق في وجدان الشباب حالة من الازدواجية الخطيرة: صيام بالنهار، وسهر على معصية الله بالليل. وكأن الشهر تحول إلى "كسر عظم" اجتماعي، تتنافس فيه القنوات على من يقدم إعلاناً أكثر جرأة، أو برنامج مقالب أكثر وحشية، أو مسلسلاً أكثر إثارة للشهوات.
أما العوائل، فتجد رب الأسرة وأولاده متفرقين بين قنوات هنا وهناك، لا تجمعهم صلاة ولا دعاء ولا حتى مائدة إفطار واحدة دون أن تكون شاشة التلفاز مسلطة عليهم ببرامجها الهابطة. لقد تحولت البيوت المسلمة في رمضان إلى صالات عرض لهذه البرامج، بدلاً من أن تكون مساجد ورباطات ذكر ودعاء.
4. الاختيار المصيري: بين طاعة الله وهوى النفس
إن من أراد الآخرة حقاً، ومن أراد أن يخرج من هذا الشهر مغفور الذنب، نقياً من الخطايا، فعليه أن يختار. الاختيار واضح لا لبس فيه: إما طاعة الله وما يرضيه، وإما الهوى وحب الدنيا الفانية. لا يمكن الجمع بينهما. لا يمكن أن يكون القلب عامراً بحب الله وفي نفس الوقت متعلقاً بمشاهدة ما يغضبه.
هذه الثقافة المصنعة، هذه الصناعة الإعلامية الضخمة، تتعارض مع الآداب العامة، تتعارض مع أبسط قيم الاحترام لهذا الشهر. هي ثقافة بلا حياء، تريد أن تسرق منا أغلى ما نملك: علاقتنا بالله في أفضل أيام السنة.
يقول الله تعالى: "فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" (الكهف: 110). فمن يرجو لقاء الله عليه أن يعمل عملاً صالحاً، ومشاهدة هذه البرامج ليست عملاً صالحاً، بل هي إشراك للدنيا في عبادة شهر رمضان.
سابعاً: الموقف الشرعي من هذه البرامج
من وجهة النظر الفقهية في المذهب الجعفري، فإن متابعة هذه البرامج والمسلسلات التي تحتوي على مشاهد محرمة، أو موسيقى، أو أغانٍ، أو ألفاظ بذيئة، تتنافى مع روح الصيام، بل قد تذهب بأجر الصائم.
فكما أن الأكل والشرب مفطران للصوم، فإن سماع الغيبة والنميمة والأغاني، والنظر إلى المحرمات، كلها منافٍ لروحانية الشهر ومقصده التربوي. وقد ورد عن النبي (ص): "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
وقول الزور في عصرنا يشمل مشاهدة البرامج التي تروج للباطل وتزين المعصية وتستهين بحرمة الشهر. فالمسلم مطالب بأن يحفظ صومه من كل ما يفسده أو ينقص من أجره.
ثامناً: رمضان بين الهوية الجعفرية والتحديات المعاصرة
إن من أخطر التحديات التي تواجه هويتنا الدينية اليوم، محاولة تفريغ الشهر الفضيل من محتواه الروحي، وملؤه بالمسلسلات والبرامج التي تهدف إلى التسلية والربح المادي على حساب العبادة والطاعة.
إن المذهب الجعفري، بمصادره الأصيلة (القرآن، السنة، العقل، الإجماع)، يرفض رفضًا قاطعًا هذه الممارسات التي تحول شهر الله إلى موسم للهو والطرب، إلى "دي جي نايت كلوب" يمتد ثلاثين ليلة.
نحن بحاجة إلى وعي جمعي يدرك خطورة هذه البرامج، ويحمي شبابنا وعوائلنا من هذا الغزو الإعلامي الممنهج. نحن بحاجة إلى العودة إلى الجوهر الحقيقي للشهر، إلى روحانيته، إلى غايته الأساسية: التقوى.
يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة: 183).
الغاية هي التقوى، فهل هذه البرامج تقربنا إلى التقوى أم تبعدنا عنها؟ الجواب واضح لكل ذي عينين.
تاسعاً:
شهر رمضان ضيف عظيم، لا يأتي كل يوم، ولا يبقى طويلاً. هو فرصة للتغيير، فرصة للتوبة، فرصة للعودة إلى الله. علينا أن نستقبله كما يليق بمكانته، لا كما تشتهيه أنفسنا ولا كما تروج له القنوات الفضائية.
علينا أن نملأ أوقاتنا بتلاوة القرآن، وقراءة الأدعية المأثورة كدعاء الافتتاح ودعاء أبي حمزة الثمالي، ومناجاة الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام)، وأن نجعل من هذا الشهر نقطة تحول في حياتنا نحو الأفضل.
فمن أراد الآخرة فليترك اللهو، ومن أراد النجاة فليبتعد عن هذه البرامج التي تهدف إلى إفساد دينه ودنياه. القرار بأيدينا، والسؤال الذي سنواجه به ربنا: بماذا أمضينا أيام شهرنا؟ هل كانت أيام طاعة أم كانت أيام لهو ونسيان؟
إن شهر رمضان هو اختبار سنوي يمتحن الله به عباده، ليتبين الصادق من الكاذب، والمطيع من العاصي، من جعله شهر عبادة ممن جعله شهر لهو وفساد. ظ
نسأل الله تعالى بجاه محمد وآل محمد أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يصون هويتنا الدينية من محاولات التشويه والتحريف، وأن يوقظ في قلوبنا روح العبادة الحقيقية لا العادة الموسمية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
تمت المقالة بحمد الله وتوفيقه
بقلم: حيدر الشبلاويأكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام