
إعداد وتقرير
الكاتب والباحث / حيدر الشبلاوي
عميد: أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني / دراسات في السياسات الخارجية والعلاقات الدبلوماسية.
خبير في الشؤون السياسية والعلاقات الدبلوماسية الاوربية
الملخص التنفيذي
يتناول هذا التقرير تفاعلات السياسة الأوروبية مع الشرق الأوسط، مستنداً إلى خطاب النائب الإيطالي أنجيلو بونيلي في البرلمان الإيطالي في العاشر من أبريل عام 2026، وقرار رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني في الرابع عشر من أبريل عام 2026 بتعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع مع إسرائيل. يسلط التقرير الضوء على تناقضات السياسة الخارجية الأوروبية، ويحلل ازدواجية المعايير في التعامل مع النزاعات في أوكرانيا وغزة، ويقارن الموقف الأوروبي من إيران ما بعد الثورة بموقفه من إسرائيل، مع التركيز على دور المصالح الجيوسياسية والتسليح في تشكيل هذه السياسات. كما يتناول التقرير الإهمال الأوروبي للدبلوماسية الإيرانية رغم التزام إيران الواضح بالبرنامج النووي السلمي ورفضها الدستوري لحيازة السلاح النووي، ويقارن ذلك بالصمت الأوروبي إزاء الترسانة النووية الإسرائيلية والجرائم المستمرة التي ترتكبها حكومة نتنياهو. يخلص التقرير إلى أن السياسة الأوروبية تعاني من ازدواجية معايير صارخة تجعلها تفقد مصداقيتها الأخلاقية على الساحة الدولية.
أولاً: خلفية الحادثة – خطاب بونيلي وإعلان ميلوني
في العاشر من أبريل عام 2026، وقف أنجيلو بونيلي، النائب عن تحالف الخضر واليسار الإيطالي، في البرلمان الإيطالي ووجّه خطاباً نارياً إلى رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، متهمًا إياها والاتحاد الأوروبي بالصمت والتقاعس أمام ما وصفه بجرائم الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة ولبنان. واتهمها بالازدواجية الأخلاقية، مستشهداً بموقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز باعتباره المسؤول الوحيد من حلف الناتو الذي وقف في وجه العدوان. وقد اتسم الخطاب بقوة غير مسبوقة، حيث تحدث بونيلي بدون أوراق مجهزة، مما أضفى عليه طابعاً انفعالياً صادماً للمشهد السياسي الإيطالي.
بعد أربعة أيام، وتحديداً في الرابع عشر من أبريل عام 2026، أعلنت جورجيا ميلوني من مدينة فيرونا تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع مع إسرائيل، نظراً للوضع الحالي في الشرق الأوسط. وكانت الاتفاقية، التي دخلت حيز التنفيذ في الثالث عشر من أبريل عام 2016، تنص على التجديد التلقائي كل خمس سنوات، وتشمل تبادل المعدات العسكرية والتعاون في البحوث التكنولوجية وتدريب الأفراد العسكريين. وقد اعتبر مراقبون هذا القرار بمثابة تحول لافت في الموقف الإيطالي، وإن بقي رمزياً إلى حد كبير.
ثانياً: تحليل خطاب بونيلي – شجاعة سياسية أم صراع أيديولوجي؟
ركز خطاب بونيلي على عدة نقاط محورية كشفت عن عمق الأزمة الأخلاقية في السياسة الغربية. فقد اتهم بونيلي ميلوني والاتحاد الأوروبي بالصمت المخزي، قائلاً لها: "أعلم أن غزة غير موجودة بالنسبة لك"، متهمًا إياها بعدم الاكتراث بمقتل أكثر من سبعين ألف مدني فلسطيني. كما فضح بونيلي ازدواجية المعايير الغربية، متهمًا الغرب بمعاقبة الدول الكبرى المارقة، بينما يتغاضى عن انتهاكات إسرائيل بحجة أنها دولة عربية.
وربط بونيلي في خطابه بين السياسة الداخلية والخارجية، مستشهداً بتصريحات ميلوني السابقة حول تأثير السياسة الخارجية على الداخلية، محذراً من أن ناخبي اليمين الإيطالي بدأوا ينقلبون على سياسة الانبطاح لأمريكا. وفي ذروة خطابه، اتهم نتنياهو وترامب بارتكاب جرائم حرب، قائلاً إن ترامب عندما يقصف البنية التحتية والمدارس في إيران وغزة ولبنان ينتهك اتفاقية جنيف ويُعتبر مجرم حرب بكل المقاييس، مضيفاً أن الجمهوريين الأميركيين أنفسهم بدأوا يفكرون في عزله.
يمثل خطاب بونيلي حالة فريدة من نوعها في البرلمان الإيطالي، حيث تحدث بدون أوراق مجهزة، مما يشير إلى أن الخطاب كان انفعالياً وليس مدروساً مسبقاً. ومع ذلك، فهو ليس معزولاً عن تيار أوسع داخل اليسار الأوروبي، حيث طالب أعضاء البرلمان الأوروبي في مارس 2026 بعقد جلسة طارئة حول فلسطين، محذرين من أن إسرائيل قد تستخدم الصراع مع إيران كغطاء لتوسيع احتلالها للأراضي الفلسطينية.
ثالثاً: لماذا تحدث المسؤولون الإيطاليون بهذا الشكل؟
تتداخل عدة عوامل داخلية وخارجية لتفسير هذا التحول في الخطاب السياسي الإيطالي. فعلى الصعيد الداخلي، أظهرت استطلاعات الرأي تزايداً ملحوظاً في التعاطف مع القضية الفلسطينية بين الإيطاليين، خاصة بعد الحرب على غزة. وقد أشار بونيلي نفسه إلى أن الناخب اليميني لم يعد يشارك ميلوني سياسة الانبطاح تجاه تلك البلدان. كما أن بونيلي ينتمي إلى تحالف الخضر واليسار، وهو حزب معارض يرى في القضية الفلسطينية وسيلة للضغط على حكومة ميلوني اليمينية وكشف تناقضاتها.
أما العامل المباشر الذي دفع ميلوني إلى اتخاذ موقف أكثر حدة، فهو قيام الجيش الإسرائيلي بإطلاق نيران تحذيرية على قافلة لجنود إيطاليين تابعين لليونيفيل في جنوب لبنان. فقد استدعت إيطاليا السفير الإسرائيلي احتجاجاً على الحادثة التي ألحقت أضراراً بمركبة على الأقل دون وقوع إصابات. هذا الحادث وضع الحكومة الإيطالية في موقف حرج، وأجبرها على اتخاذ إجراءات رمزية لاسترضاء الرأي العام الغاضب.
على الصعيد الخارجي، تصادف الخطاب والإعلان مع فترة توتر غير مسبوق بين ميلوني وإدارة ترامب. ففي الأيام نفسها، وصف ترامب البابا ليو الرابع عشر بأنه لا يقوم بعمل جيد، لترد ميلوني وتصف تصريحات ترامب بأنها غير مقبولة. كما هاجم ترامب ميلوني شخصياً بسبب تعليق الاتفاقية الدفاعية مع إسرائيل. هذا التوتر يعكس تحولاً في العلاقة بين رئيسة الوزراء الإيطالية والرئيس الأميركي، بعد أن كانت ميلوني تُعتبر واحدة من أكثر حلفاء ترامب ولاءً في أوروبا.
يمكن تفسير تصرفات ميلوني بأنها محاولة لتحقيق توازن صعب بين الالتزام بالتحالف مع أمريكا وحلف الناتو من جهة، واسترضاء الرأي العام المتعاطف مع الفلسطينيين من جهة أخرى، مع الادعاء بالالتزام بالقانون الدولي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على المصالح الاقتصادية المتمثلة في عقود التسليح مع إسرائيل. إن تعليق التجديد التلقائي للاتفاقية بدلاً من إلغائها بالكامل هو نموذج مثالي لهذا التوازن، حيث يشكل إشارة سياسية رمزية دون حرق الجسور بشكل كامل.
رابعاً: إلغاء الاتفاقية العسكرية مع إسرائيل – ماذا يعني؟
الاتفاقية المعلقة، المعروفة باسم مذكرة التفاهم، وُقعت لأول مرة في باريس عام 2003، وصادقت عليها إيطاليا قانونياً بموجب القانون رقم 94 لسنة 2005. وتشمل عدة مجالات رئيسية: تبادل المعدات العسكرية، والتعاون في البحث التكنولوجي ضمن القوات المسلحة، وتدريب وتعليم الأفراد العسكريين، والتعاون في مجال صناعات الدفاع، وتبادل الخبرات في العقيدة العسكرية والتنظيم. قرار التعليق يعني أن إيطاليا لن تتعاون مع إسرائيل في التدريب العسكري، ولن يتم تبادل المعدات والتكنولوجيا.
أما التبعات الاستراتيجية لهذا القرار، فتشمل بعداً رمزياً كبيراً، حيث وصف وزير دفاع إيطالي سابق القرار بأنه إشارة سياسية ضد الهجمات والغارات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في لبنان. غير أن التأثير على الأمن الإسرائيلي يبدو محدوداً، إذ رفضت إسرائيل القرار واعتبرته غير مؤثر على أمنها. ومع ذلك، اعتبر محللون أن القرار يعكس تغيراً في موقف الدول الأوروبية، وقد يكون له آثار بعيدة المدى على الوضع الدبلوماسي في المنطقة.
خامساً: إهمال الدبلوماسية الإيرانية وازدواجية المعايير النووية
على مدار عقدين من الزمن، لعبت الترويكا الأوروبية المكونة من فرنسا وألمانيا وبريطانيا دوراً محورياً في المفاوضات مع إيران، والتي تُوجت بتوقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) عام 2015. كان الاتفاق إنجازاً دبلوماسياً تاريخياً، قوبل من الجانب الإيراني بحسن نية واضح. فقد التزمت إيران بموجبه بتقييد أنشطتها النووية مقابل رفع العقوبات.
وحتى في ذروة التوتر، حافظت إيران على موقفها المبدئي والواضح. فهي تؤكد بشكل دائم أن برنامجها النووي سلمي، ولا يتعارض تخصيبها لليورانيوم حتى بنسبة ستين بالمائة مع معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. كما أن دستورها يرفض حيازة أو استخدام الأسلحة النووية، وهو موقف نادر في منطقة الشرق الأوسط. بالإضافة إلى ذلك، خضعت المنشآت النووية الإيرانية لإشراف صارم من قبل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما جعل برنامجها من أكثر البرامج خضوعاً للرقابة في العالم. وحتى بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق عام 2018، ظلت إيران طرفاً ملتزماً بالحوار، ووافقت باستمرار على استئناف المحادثات مع الترويكا الأوروبية لإحياء الاتفاق.
لكن ورغم كل هذا، لم يسفر أي جهد دبلوماسي أوروبي عن نتيجة ملموسة، وبدلاً من تطويق الأزمة، تم تهميش الدبلوماسية لصالح سياسة العقوبات. تتجلى المفارقة الكبرى في المقارنة مع الكيان الإسرائيلي. فإيران دولة موقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي، وتخضع منشآتها لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتعلن مراراً رفضها لأسلحة الدمار الشامل، ومع ذلك تُعاقب وتُحاصر. في المقابل، إسرائيل دولة لم توقع أبداً على معاهدة حظر الانتشار النووي، وتمارس سياسة الغموض النووي المتعمدة، ولا تخضع أي من منشآتها للتفتيش الدولي، رغم امتلاكها ترسانة نووية تُقدر بنحو تسعين رأساً حربياً نووياً. وقد عبر النائب الأوروبي مارك بوتينغا في البرلمان الأوروبي عن هذه المفارقة بقوله: "لماذا نقبل أن تمتلك إسرائيل قنبلة نووية؟ هذا أمر غير مقبول تماماً". هذه هي المعادلة التي فضحها بونيلي: إيران تتعرض للضغط والعقوبات بسبب امتلاكها القدرة على التخصيب، بينما تُمنح إسرائيل شيكاً على بياض لامتلاكها السلاح الفعلي، تحت مسمى الغموض النووي
سادساً: العقوبات الاقتصادية – أداة عقاب جماعي لا تحمي حقوق الإنسان
لم تتوانَ أوروبا في استخدام سلاح العقوبات ضد طهران بسرعة البرق. ففي سبتمبر عام 2025، أعاد الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات شملت حظراً على صادرات السلاح والمواد المرتبطة بالتخصيب، وحظراً مالياً وتجارياً واسعاً طال النفط والغاز والبنوك الإيرانية. وفي مارس عام 2026، تمت إضافة عقوبات جديدة استهدفت تسعة عشر مسؤولاً وكياناً إيرانياً بتهمة انتهاك حقوق الإنسان.
لكن السؤال الذي يطرحه بونيلي ومنتقدون آخرون هو: أين هو أثر هذه العقوبات على حقوق الإنسان؟ بل ما هو موقف أوروبا من الأثر الإنساني المدمر لهذه العقوبات؟ لقد أقر النائب الأوروبي مارك بوتينغا بهذه المفارقة الصارخة، قائلاً: "نحن نعاقب الشعب الإيراني العادي، ونجعل من الصعب عليهم شراء الأدوية والسلع الأساسية، وفي نفس الوقت نعتقد أننا الطرف الأخلاقي في القصة". هذه ليست حماية لحقوق الإنسان، بل هي سياسة الغابة والوحوش، حيث تُستخدم العقوبات الجماعية التي تفتك بالمدنيين كسلاح سياسي لابتزاز دولة ذات سيادة.
في المقابل، عندما تتحدث منظمات حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية والوكالة الدولية للطاقة الذرية عن خرق إسرائيل للقانون الدولي، أو عن قصفها للمنشآت النووية الإيرانية في فبراير عام 2026 في انتهاك صريح للمواثيق الدولية، نجد رد الفعل الأوروبي مختلفاً تماماً. إنه الرفض المطلق لفرض أي عقوبات ذات معنى على إسرائيل. وقد أشار بونيلي في خطابه إلى هذه الحقيقة المرة: ضد الدول الكبرى المارقة تتخذ العقوبات بعدل، لكن عندما تفعل إسرائيل ذات الأفعال بحجة أنها دولة عربية، فالرد الأوروبي هو الصمت والتغاضي. وهذا هو جوهر ازدواجية المعايير التي تجعل السياسة الأوروبية تفتقر إلى أي مصداقية أخلاقية.
سابعاً: أوكرانيا مقابل غزة – مثال صارخ على الازدواجية
أحد أبرز الاتهامات التي وُجهت للاتحاد الأوروبي هو تبنيه معايير مزدوجة في التعامل مع الأزمات. فبينما فرض الاتحاد الأوروبي ثماني عشرة حزمة من العقوبات على روسيا بسبب حربها على أوكرانيا، فإنه لم يفرض عقوبات مماثلة على إسرائيل رغم استمرار الحرب على غزة. وقد وصف هذا التناقض بأنه مثال صارخ على ازدواجية المعايير في مؤتمر الخليج للأبحاث في كامبردج. وكما لاحظت صحيفة إيريش إكزامينر، فإن بروكسل قد استسلمت لحقيقة أنه لا يوجد خط أحمر يمكن لإسرائيل تجاوزه يؤدي إلى أي عقوبات أو توبيخ ذي معنى.
في سبتمبر عام 2025، تبنى البرلمان الأوروبي قراراً تاريخياً بشأن غزة، دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية، وأدان إسرائيل كمسؤولة عن عرقلة المساعدات وتفاقم الوضع الإنساني. وطالب القرار المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء بتعليق الركن التجاري لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وحظر جميع عمليات نقل الأسلحة إلى إسرائيل، ودعم الاعتراف بدولة فلسطين. ومع ذلك، ظل القرار غير ملزم قانوناً، مما يعكس الفجوة بين الخطاب السياسي والفعل على الأرض.
تكشف المقارنة بين الموقف الأوروبي من إيران وموقفه من إسرائيل عن ازدواجية معايير صارخة. فإيران تواجه حزمة عقوبات ثقيلة بالإجماع، بينما لا توجد عقوبات ذات معنى على إسرائيل. كما تم تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية، في حين لم يصدر أي تصنيف مماثل بحق أي كيان إسرائيلي. كما أن سرعة اتخاذ القرار تجاه إيران كانت جلسة واحدة خاطفة، بينما استغرقت القرارات تجاه إسرائيل سنوات من التردد. وكتب أحد المحللين في صحيفة العربي الجديد: "لم يحتج وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي سوى إلى جلسة واحدة خاطفة ليصادقوا، بالإجماع، على حزمة عقوبات ثقيلة على إيران. لم تسجل الجلسة الكثير من النقاش أو التردد... بجرة قلم، صُنف الحرس الثوري الإيراني تنظيماً إرهابياً". في المقابل، تشير الكاتبة شونا موراي في إيريش إكزامينر إلى أن استجابة الاتحاد الأوروبي لقمع إيران لمواطنيها تتناقض بشكل صارخ مع إجراءات الكتلة ضد إسرائيل فيما يتعلق بالإبادة الجماعية في فلسطين.
ثامناً: لماذا وقفت أوروبا ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟
شهدت العلاقات الأوروبية الإيرانية تحولاً جذرياً بعد ثورة عام 1979. فقبل الثورة، كانت إيران في عهد الشاه حليفاً غربياً رئيسياً، وحافظت على علاقات دبلوماسية واقتصادية واسعة مع أوروبا. لكن بعد الثورة، تغيرت المعادلة تماماً. تبنى النظام الجديد خطاباً معادياً للغرب ولأمريكا بشكل خاص، كما أن دعم إيران للفصائل المسلحة في لبنان وفلسطين جعلها في مرمى الانتقادات الأوروبية، إضافة إلى أن البرنامج النووي الإيراني شكل مصدر قلق دائماً لأوروبا، مما أدى إلى فرض عقوبات متعددة.
تستند سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه إيران إلى عدة اعتبارات. أولها انتهاكات حقوق الإنسان، حيث أعلنت منظمة العفو الدولية أن إيران أعدمت ألف شخص في عام 2025 وحده، وهو أعلى رقم تسجله المنظمة منذ خمسة عشر عاماً. ثانيها الدعم العسكري لروسيا من خلال تزويدها بطائرات بدون طيار في الحرب على أوكرانيا. ثالثها التهديد النووي، والمخاوف من امتلاك إيران أسلحة نووية، خاصة بعد تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول انتهاكات إيران لمعاهدة عدم الانتشار. رابعها دعم الإرهاب، حيث يُتهم النظام الإيراني وفقاً للخطاب الأوروبي بدعم جماعات مصنفة إرهابية في المنطقة.
لكن الانتقادات الموجهة للاتحاد الأوروبي تتمحور حول تطبيق هذه المعايير بشكل انتقائي. فكما يقول المحللون، إن ازدواجية المعايير هذه لا تسيء فقط إلى الفلسطينيين، بل تُضعف أيضاً مصداقية الاتحاد الأوروبي في دفاعه عن الإيرانيين أنفسهم، إذ كيف يمكن لإقناع بروكسل؟ بمعنى آخر، عندما يدافع الاتحاد الأوروبي عن حقوق الإنسان في إيران، فإن ازدواجية معاييره تجاه إسرائيل تقوض مصداقيته وتجعل دفاعه عن الإيرانيين يبدو منافقاً.
تاسعاً: نقد السياسة الأمريكية والأوروبية – عالم يعيش في الخيال
إن ازدواجية المعايير ليست مقتصرة فقط على أوروبا، بل هي سمة راسخة في السياسة الخارجية الأمريكية. فبينما تتحدث واشنطن عن حقوق الإنسان، تمنح شيكات مفتوحة لحليفتها إسرائيل لارتكاب الجرائم. وقد اتهم بونيلي ترامب شخصياً بأنه مجرم حرب لقصفه البنية التحتية والمدارس في إيران وغزة ولبنان، وانتهاكه لاتفاقيات جنيف.
النائب الأوروبي مارك بوتينغا وسع دائرة النقد لتشمل الصمت الأوروبي المخزي على الجرائم الإسرائيلية في المنطقة، قائلاً: "أنتم تصفون إيران بأنها التهديد الرئيسي، ولكن انظروا إلى إسرائيل وهي تقصف لبنان، سوريا، العراق، إيران، اليمن، وقطر". كما أشار بوتينغا في البرلمان الأوروبي إلى أن ازدواجية المعايير الغربية قد تحولت إلى حجة تستخدم ضدها، عندما فشل البرلمان الأوروبي في إدانة الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي قتلت مدنيين إيرانيين.
إن الصورة التي ترسمها هذه السياسات هي صورة عالم يعيش في الخيال، كما أشار بونيلي، حيث يُطلب من الشعب الأوروبي تصديق الرواية الغربية عن أخلاقية العقوبات وشرعية القصف الإسرائيلي، بينما تُنهك الشعوب الأخرى بالحصار والدمار. هذه السياسة تعكس دبلوماسية الغابة والوحوش، البعيدة كل البعد عن القوانين الدولية لحقوق الإنسان، والتي تتعامل عمداً بازدواجية المعايير بهدف خداع الشعوب الأوروبية وإبقائها في حالة من الجهل بالحقائق.
عاشراً: المصالح مقابل القيم – محددات السياسة الأوروبية
تعكس السياسة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط صراعاً دائماً بين القيم المعلنة، كحقوق الإنسان والقانون الدولي، والمصالح العملية. فالعلاقة عبر الأطلسي هي الإطار المرجعي الأساسي للسياسة الخارجية الأوروبية. وكما تلاحظ المحللة ناتالي توتشي، فقد نظرت أوروبا تقليدياً إلى العالم من خلال عدسة عبر الأطلسي، ودعمت السياسة الخارجية الأميركية لعقود. كما أن عقود الأسلحة والتبادل التجاري مع إسرائيل تمثل مصالح اقتصادية كبرى للدول الأوروبية، إضافة إلى أن الموقع الجيوسياسي للشرق الأوسط يجعله محورياً لأمن الطاقة الأوروبي.
كما تشير توتشي في تحليلها إلى أن أوروبا في حاجة ماسة إلى عقل خاص بها بشأن الشرق الأوسط، لكن التردد السياسي جعلها لا تكسب وداً من واشنطن ولا تحسن مكانتها لدى إسرائيل. وأضافت أن عجز أوروبا المزمن ينبع من أنها نظرت تقليدياً إلى العالم من خلال عدسة عبر الأطلسي.
لا تتبنى الدول الأوروبية موقفاً موحداً تجاه الشرق الأوسط. ففرنسا تحاول لعب دور دبلوماسي متوازن، في حين أن ألمانيا أكثر تحيزاً للموقف الإسرائيلي. أما إسبانيا وإيرلندا فهما أكثر انتقاداً لإسرائيل، بينما تحاول إيطاليا تحقيق توازن صعب بين التحالف مع أمريكا والضغوط الداخلية. هذه الانقسامات تمنع الاتحاد الأوروبي من تبني سياسة خارجية موحدة وفعالة تجاه المنطقة.
الخاتمة: نحو سياسة أوروبية أكثر اتساقاً؟
يمثل خطاب أنجيلو بونيلي وقرار جورجيا ميلوني تعليق اتفاقية الدفاع مع إسرائيل لحظة مفصلية في السياسة الإيطالية والأوروبية. بينما يظل هذا القرار رمزياً إلى حد كبير، فإنه يعكس تحولاً في الخطاب العام وتزايد الضغوط على الحكومات الأوروبية لتبني مواقف أكثر اتساقاً مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ما قام به بونيلي في البرلمان الإيطالي لم يكن مجرد خطاب عابر، بل كان صوتاً للعقل والمنطق في وجه سياسات الغابة التي تمارس باسم القانون الدولي. إن استمرار أوروبا والغرب في هذه الازدواجية الصارخة سيقوض أي شرعية أخلاقية قد يدعونها. إذا كان الغرب جاداً في حماية حقوق الإنسان ومنع انتشار الأسلحة النووية، فيجب أن تطبق المعايير نفسها على الجميع. فإما أن تكون هناك قواعد تحكم المجتمع الدولي، أو نعترف بأننا نعيش في غابة حيث القانون الوحيد هو قانون الأقوى، وهو ما كشفه بونيلي بكل شجاعة.
كما خلصت الكاتبة شونا موراي إلى أن ازدواجية المعايير واضحة جداً لدرجة أنها تقوض غضب بروكسل ودفاعها عن الإيرانيين الشجعان الذين يعانون آلامهم. إن استمرار هذا التناقض سيقوض مصداقية الاتحاد الأوروبي كفاعل أخلاقي على الساحة الدولية
التوصيات
بناءً على ما تقدم، يوصي هذا التقرير بضرورة توحيد المعايير وتطبيقها على جميع الدول بغض النظر عن هويتها السياسية. كما يوصي بتعزيز استقلالية السياسة الخارجية الأوروبية عن واشنطن، والانتقال من الإدانات اللفظية إلى عقوبات حقيقية عند انتهاك القانون الدولي. كما يوصي بدعم حل الدولتين والتحرك بجدية لتحقيق حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية، ومراجعة اتفاقيات الشراكة وتعليق أو إلغاء الاتفاقيات التجارية والعسكرية مع الدول التي تنتهك القانون الدولي بشكل منهجي
قائمة المصادر
أنجيلو بونيلي، خطاب في البرلمان الإيطالي، ١٠ أبريل ٢٠٢٦، مصادر متعددة.
إيطاليا تعلق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع مع إسرائيل، ذي كينيا تايمز، ١٤ أبريل ٢٠٢٦.
إيطاليا تعلق اتفاقية الدفاع مع إسرائيل، ذي سترايتس تايمز، ١٤ أبريل ٢٠٢٦.
ميلوني تعلن تعليق تجديد اتفاقية التعاون العسكري بين إيطاليا وإسرائيل، يورونيوز بالعربية، ١٤ أبريل ٢٠٢٦.
إيطاليا تعلق اتفاق الدفاع مع إسرائيل وترمب يهاجم ميلوني، تي آر تي العربي، ١٤ أبريل ٢٠٢٦.
تهمة ازدواجية المعايير تحرج أوروبا، إندبندنت عربية، ٢٣ يوليو ٢٠٢٥.
ازدواجية معايير بروكسل ما بين إيران وإسرائيل، العربي الجديد، ٤ فبراير ٢٠٢٦.
لماذا الاتحاد الأوروبي قلق من التصعيد الإيراني الإسرائيلي؟، الجزيرة نت، ١٣ يونيو ٢٠٢٥.
ناتالي توتشي، أوروبا يجب أن تقف بدون الولايات المتحدة – لكن الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط تظهر أنها لا تعرف كيف، الغارديان، ١٩ يونيو ٢٠٢٥.
المشرعون الأوروبيون يدفعون لعقد جلسة طارئة حول فلسطين، وكالة أناضول، ٤ مارس ٢٠٢٦.
شونا موراي، ازدواجية المعايير الأوروبية تجاه إسرائيل تقوض موقفها من الإرهاب الإيراني، إيريش إكزامينر، ٣١ يناير ٢٠٢٦.
البرلمان الأوروبي يتبنى قراراً تاريخياً بشأن غزة، الاشتراكيون والديمقراطيون، ١١ سبتمبر ٢٠٢٥.
الترويكا الأوروبية وإيران.. محطات من المد والجزر، الجزيرة نت، ٣١ أكتوبر ٢٠٢٥.
اتفاق إيراني أوروبي على موعد استئناف المحادثات النووية، دويتشه فيله عربية، ٢٢ أغسطس ٢٠٢٥.
مبعوثو الاتحاد الأوروبي يقرون عقوبات على ١٩ مسؤولاً وكياناً في إيران، رويترز، ١١ مارس ٢٠٢٦.
الاتحاد الأوروبي يعيد فرض عقوبات على إيران، الجزيرة نت، ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٥.
إيران تؤكد سلمية برنامجها النووي، الجزيرة نت، ٧ يونيو ٢٠٢٥.
الوكالة الدولية للطاقة الذرية تكشف حجم ترسانة إيران النووية، رؤيا الإخباري، ٢٧ فبراير ٢٠٢٦.
ازدواجية المعايير.. المفارقة النووية في الصراع الإسرائيلي الإيراني، السياسة، ١١ مارس ٢٠٢٦.
طهران تحذر الاتحاد الأوروبي من عقليات نازية، بريس تي في، ٤ مارس ٢٠٢٦.
انقسام الاتحاد الأوروبي بشأن عقوبات إيران الجديدة واتهامات بازدواجية المعايير، بريس تي في، ٢٢ يناير ٢٠٢٦.
الكاتب والباحث :حيدر الشبلاوي
خبير في الشؤون السياسية والعلاقات الدبلوماسية الاوربية
إعداد وتقرير الكاتب والباحث / حيدر الشبلاوي عميد: أكاديمية الإمام الخوئي للدراسات الاستراتيجية والإعلام الإلكتروني / دراسات في السياسات الخارجية والعلاقات الدبلوماسية.خبير في الشؤون السياسية والعلاقات الدبلوماسية الاوربية
الملخص التنفيذي
يتناول هذا التقرير تفاعلات السياسة الأوروبية مع الشرق الأوسط، مستنداً إلى خطاب النائب الإيطالي أنجيلو بونيلي في البرلمان الإيطالي في العاشر من أبريل عام 2026، وقرار رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني في الرابع عشر من أبريل عام 2026 بتعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع مع إسرائيل. يسلط التقرير الضوء على تناقضات السياسة الخارجية الأوروبية، ويحلل ازدواجية المعايير في التعامل مع النزاعات في أوكرانيا وغزة، ويقارن الموقف الأوروبي من إيران ما بعد الثورة بموقفه من إسرائيل، مع التركيز على دور المصالح الجيوسياسية والتسليح في تشكيل هذه السياسات. كما يتناول التقرير الإهمال الأوروبي للدبلوماسية الإيرانية رغم التزام إيران الواضح بالبرنامج النووي السلمي ورفضها الدستوري لحيازة السلاح النووي، ويقارن ذلك بالصمت الأوروبي إزاء الترسانة النووية الإسرائيلية والجرائم المستمرة التي ترتكبها حكومة نتنياهو. يخلص التقرير إلى أن السياسة الأوروبية تعاني من ازدواجية معايير صارخة تجعلها تفقد مصداقيتها الأخلاقية على الساحة الدولية.