
بقلم: حيدر الشبلاوي
سياسي من أبناء الانتفاضة الشعبانية عام 1991
مقدمة: من هي حنان الفتلاوي؟
الدكتورة حنان سعيد محسن الفتلاوي، سياسية عراقية من محافظة بابل، من مواليد عام 1968. تحمل شهادة البكالوريوس في الطب من جامعة بغداد، ودبلوماً عالياً في الأمراض الجلدية. دخلت المعترك السياسي عام 2004 كعضوة في المجلس الوطني العراقي المؤقت، وكانت الممثلة الوحيدة لمحافظة بابل في ذلك المجلس.
تدرجت الفتلاوي في المناصب السياسية على مدى أربع دورات برلمانية متتالية، فكانت عضوة في الجمعية الوطنية الانتقالية التي كتبت الدستور العراقي عام 2005، ورئيسة لجنة شؤون الأقاليم والمحافظات، ثم مستشارة لرئيس الوزراء نوري المالكي لشؤون الأقاليم والمحافظات. في انتخابات عام 2010، فازت بعضوية البرلمان عن ائتلاف دولة القانون، وفي انتخابات عام 2014 تصدرت جميع المرشحين في محافظة بابل، كما كانت المرأة الوحيدة ضمن المرشحين العشرة الأوائل على مستوى العراق. وفي عام 2015، أسست حركة "إرادة" لتصبح أول امرأة عراقية تقود حركة سياسية في البلاد.
المناصب التي شغلتها حنان الفتلاوي
تولت الفتلاوي على مدى سنوات عملها السياسي العديد من المناصب، منها عضوية المجلس الوطني المؤقت، وعضوية الجمعية الوطنية الانتقالية ورئاسة لجنة الأقاليم والمحافظات، ثم مستشارة لرئيس الوزراء لشؤون الأقاليم والمحافظات، وعضوية مجلس النواب لعدة دورات متتالية، وعضوية لجنة العلاقات الخارجية، ورئاسة لجنة الصداقة العراقية البريطانية، إضافة إلى تأسيسها وقيادتها لحركة إرادة.
هذه قائمة طويلة من المناصب، تمتد لأكثر من عقد ونصف من العمل السياسي المتواصل. لكن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط بمرارة: ماذا قدمت حنان الفتلاوي لأبناء العراق؟
استجوابات برلمانية بلا نتائج
صحيح أن الفتلاوي كانت من النساء البرلمانيات اللواتي شكلن تحدياً لرئاسة البرلمان، واشتهرن بلقب "سرب الصقور" النسائي. وصحيح أنها أجرت استجوابات للمفوضية العليا للانتخابات، وكانت تتدرب على ذلك بتمثيل دور رئيس المفوضية مع أحد أبنائها في منزلها. لكن أين ذهبت نتائج هذه الاستجوابات؟ هل غيرت واقع المواطن العراقي؟ هل حاسبت الفاسدين؟ هل استرجع المال المنهوب؟
الجواب الصادق: لا. بقيت تلك الاستجوابات حبيسة أروقة البرلمان، تتحول إلى عناوين صحفية تتصدر المشهد لساعات، ثم تختفي كما يختفي دخان المسرحية السياسية الهزلية.
أصوات انتخابية بلا مشاريع
في انتخابات عام 2014، حصلت الفتلاوي على عدد كبير من الأصوات، متقدمة على جميع المرشحين في محافظة بابل. هذا الرقم يعكس ثقة هائلة من المواطنين، ويحمل مسؤولية كبرى تجاه من منحوها أصواتهم. لكن ماذا قدمت لهؤلاء؟ أين مشاريع الإعمار في بابل؟ أين المستشفيات التي بنتها؟ أين المدارس؟ أين فرص العمل للشباب العاطلين؟
المرارة التي يعيشها أبناء بابل اليوم لا تختلف عن مرارة أبناء المحافظات الأخرى: خدمات متدنية، بطالة متفشية، فساد مستشري. وكل الذي تبقى من كل تلك الأصوات هو مجرد ذكريات لدورات انتخابية مضت.
صعدوا على أكتاف دولة القانون وأساؤوا إليها
هنا لا بد من وقفة تأمل: كثير من السياسيين، ومنهم الفتلاوي، صعدوا إلى الواجهة السياسية بفضل دولة القانون والكتلة الأكبر التي قادها رئيس الوزراء الأسبق السيد نوري كامل المالكي. لقد كان ائتلاف دولة القانون هو الرافعة التي حملتهم إلى قبة البرلمان وإلى المناصب التنفيذية والتشريعية. لكن المفارقة المؤلمة أن هؤلاء أنفسهم، بعد أن نالوا ما نالوا من مقاعد وأصوات، أساؤوا إلى دولة القانون وإلى تاريخها، إما بصمتهم عن الفساد الكبير، أو بانخراطهم في صفقات ومحاصصات بعيدة عن مشروع الإصلاح الذي قامت عليه الدولة.
السيد نوري المالكي جاء بالكتلة الأكبر في انتخابات عام 2010 وفي انتخابات عام 2014، واستطاع أن يشكل حكومات في ظروف بالغة الصعوبة، وكانت دولة القانون هي العمود الفقري للعملية السياسية. لكن بعض الذين تربعوا على مقاعد البرلمان والوزارات بفضل هذه الكتلة، لم يحافظوا على أمانة الدم والأصوات، بل انشغلوا بتقسيم المغانم، وتركوا الملفات المصيرية تائهة بين المصالح الشخصية والحزبية.
اليوم، ونحن نرى تراجعاً في أدوار الإطار التنسيقي، وتشرذماً في المواقف، وتأخيراً في تشكيل الحكومة، لا بد من التساؤل: لماذا يتراجع من كانوا بالأمس في طليعة الصفوف؟ الإجابة تكمن في أن هؤلاء افتقدوا مشروعاً وطنياً واضحاً، وتحولوا إلى لاعبين في سوق المناصب. كل من صعد بفضل دولة القانون وسمعتها مطالب اليوم بمراجعة تاريخه، وألا يرمي الكرة في ملعب الآخرين دون أن يحاسب نفسه أولاً.
السياسة لها رجالها الحقيقيون، وليست كوميديا هزلية ولا مسلسل "الضحك على الذقون". نتمنى على بعض السياسيين الذين ظهروا على الساحة باسم دولة القانون أن يراجعوا أنفسهم، وأن يقفوا عند مسؤولياتهم تجاه المخاطر التي تهدد البلاد، وتجاه الفساد الإداري والمالي المستشري، بدلاً من الانشغال بتصريحات إعلامية عابرة لا تقدم ولا تؤخر.
ازدواجية المعايير: بين خطاب "سلامة الأبناء" والصمت عن الفساد والدم
رسالتها للإطار التنسيقي
في رسالتها للإطار التنسيقي، تطالب الفتلاوي بتشكيل الحكومة لأجل سلامة أبنائنا. خطاب يبدو إنسانياً في ظاهره، لكنه يتجاهل أن الإطار التنسيقي نفسه، الذي يضم ائتلاف دولة القانون الذي كانت الفتلاوي عضوة فيه، هو جزء أصيل من المشكلة وليس الحل. كيف تطالب من تعتبرهم شركاء في المسؤولية بالإسراع في تشكيل حكومة، بينما هم أنفسهم من عطلوا طويلاً؟
الصمت عن الفساد الكبير
أين هي من ملفات الفساد العملاقة؟ هناك تقديرات تشير إلى أن الخسائر في المال العام بسبب التلاعب بآليات استلام وتسليم المشاريع والإعفاءات الضريبية غير القانونية تبلغ أرقاماً هائلة، تكفي لبناء آلاف المدارس والمستشفيات وخلق مئات الآلاف من فرص العمل. لكننا لم نسمع للفتلاوي بياناً واحداً بخصوص هذا الملف، ولا تحقيقاً برلمانياً، ولا استجواباً لوزير أو مسؤول.
المواطن يدفع ثمن غلاء الشقق السكنية وتكلفة البناء الباهظة، بينما المسؤولون يتحدثون عن أنهم مع المواطن وأبنائه. أين أنت من هذه المعادلة يا دكتورة حنان؟
الصمت عن ملفات الدم: سبايكر والمجزرة الصامتة
أين هي من ملفات الدم التي لا تسقط بالتقادم؟ قضية سبايكر، التي راح ضحيتها آلاف من طلاب القوة الجوية الأعزل على يد تنظيم داعش الإرهابي، لا تزال تنتظر محاسبة المسؤولين الحقيقيين. الذين عادوا وهم لهم خيوط الجريمة في هذه القضية لا يزالون في مناصبهم، يتنقلون بين الوزارات والمجالس، وكأن الدم العراقي أصبح رخيصاً.
الفتلاوي، التي كانت مستشارة لرئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، لم تخرج علينا برسالة واحدة تطالب بمحاسبة المسؤولين عن تسليم أبناء سبايكر. لم نسمع صوتها يعلو مطالبة بالقصاص العادل. انشغلت بتقسيم الكعكة والتحاور في المناصب، ونسيت أن هناك أماً تنتظر ابنها منذ عام 2014، وأباً مات قلبه قبل أن يموت جسده على فراق فلذة كبده.
انحيازها لكتلة الإعمار والتنمية: مستقبل الأبناء لا يبنى بالشعارات
الفتلاوي حالياً جزء من ائتلاف الإعمار والتنمية الذي يتزعمه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني. هذا الائتلاف يرفع شعارات براقة عن الإعمار ومكافحة الفساد وبناء الدولة. لكن من يتابع المشهد عن كثب يرى أن مستقبل أبنائنا لا يبنى بطريق كتلة الإعمار والتنمية.
فشعارات الإعمار تبقى حبيسة البيانات الصحفية والمؤتمرات السياسية، بينما الفساد مستشر في مفاصل الدولة، والخدمات تتردى يوماً بعد يوم، والمواطن يدفع الفاتورة غالية. الفرق بين كتلة الإعمار والتنمية وغيرها من الكتل الشيعية والكردية والسنية هو فرق في الاسم فقط، أما الجوهر فهو واحد: محاصصة، منافع، وغض طرف عن الدم والمال العام.
السياسة ككوميديا شيرلي شابلن: لماذا هذا التشبيه دقيق؟
عندما نشبه المشهد السياسي العراقي بكوميديا شيرلي شابلن (تشارلي تشابلن)، فإننا لا نبالغ ولا نجامل. تشابلن، ذلك الممثل البريطاني العبقري، برع في تقديم الكوميديا السوداء التي تسخر من المأساة الإنسانية تحت وطأة الأنظمة والسياسات الفاشلة. في أفلامه الخالدة مثل "الأزمنة الحديثة" و"الديكتاتور العظيم"، كان الأبطال يدورون في حلقة مفرغة، يركضون بلا هدف، يضحكون والدمعة في أعينهم، والمشاهد يضحك باكياً.
هذا هو بالضبط ما نشهده في السياسة العراقية عموماً، وفي مسيرة حنان الفتلاوي خصوصاً:
تكرار المشاهد
في أفلام تشابلن، تتكرر نفس المواقف الكوميدية التراجيدية. في السياسة العراقية، تتكرر نفس الأزمات مع كل دورة انتخابية: تأخير تشكيل الحكومة، خلافات على المناصب السيادية، اتهامات متبادلة بين الكتل، ثم انتهاء الدورة البرلمانية دون إنجاز يذكر. نفس الفيلم يعاد عرضه كل أربع سنوات.
شخصيات كاريكاتيرية
تشابلن كان يجيد رسم شخصيات كاريكاتيرية تعاني من التناقض الصارخ بين أقوالها وأفعالها. الفتلاوي، التي كانت جزءاً من حكومات سابقة يشير كثيرون إلى أنها وضعت الأسس الأولى لتفشي الفساد والمحاصصة الطائفية، تخرج اليوم تطالب الإطار التنسيقي بتشكيل حكومة لأجل سلامة الأبناء. ألم تكن هي جزءاً من حكومات سابقة فشلت في تحقيق هذه السلامة؟ أليس هذا هو التناقض عينه؟
الضحك على الذات
كوميديا تشابلن تجعلنا نضحك على المأساة، لكن الضحكة تتحول إلى دمعة عندما ندرك أن هذه المأساة حقيقية وليست تمثيلاً. عندما نرى سياسياً يدافع اليوم عن شعارات كان بالأمس جزءاً من إخفاقها، وعندما نسمع خطابات حماسية عن مكافحة الفساد من شخص صمت عن خسائر فادحة في المال العام، لا يسعنا إلا أن نضحك باكين.
نقد السلطة بصمت
تشابلن كان ينتقد الديكتاتورية والأنظمة الفاشلة بأفلام صامتة أحياناً، تعتمد على الإيماءات وتعبيرات الوجه أكثر من الكلمات. في العراق، الصمت الأكبر هو صمت السياسيين عن ملفات الفساد والدم، بينما ينشغلون بتصريحات إعلامية لا تغني ولا تسمن من جوع. صمت الفتلاوي عن قضية سبايكر وعن خسائر المال العام هو صمت تشابلني بامتياز: صمت يصمت فيه الضمير، ويصرخ فيه الفراغ.
خلاصة: لا أبنائنا استفادوا من حنان، ولا حنان أدرى بحنوني
بعد أكثر من عقد ونصف من العمل السياسي المتواصل، يمكن القول بكل موضوعية ومسؤولية:
المنجزات الملموسة
لا توجد مشاريع خدمية أو تنموية أو تشريعية كبرى يمكن أن تنسب إلى حنان الفتلاوي وتغير واقع المواطن العراقي. كل ما قدمته هو حضور إعلامي، وتصريحات هنا وهناك، واستجوابات لم تكتمل، وبيانات لم تترجم إلى أفعال.
التصريحات الإعلامية
تصريحات حنان الفتلاوي كثيرة، متنوعة، وأحياناً جريئة، لكنها تبقى في إطار "الطشة" الإعلامية. تخرج فتصرخ وتنتقد، ثم تعود إلى صمتها، وكأن شيئاً لم يكن. لا متابعة، لا محاسبة، لا ضمير.
ازدواجية المعايير
تطالب اليوم الإطار التنسيقي بتشكيل الحكومة، وهي التي كانت جزءاً من حكومات سابقة كان أداؤها موضع انتقاد. تتحدث عن سلامة الأبناء وتسكت عن المسؤولين عن مجزرة سبايكر. تدافع عن مكافحة الفساد ولم يصدر عنها بيان واحد بخصوص خسائر المال العام التي تتحدث عنها التقارير.
مسؤولية من صعدوا على كتلة دولة القانون
كل من صعد بفضل دولة القانون وسمعتها يجب أن يراجع تاريخه بدلاً من رمي الكرة في ملعب الآخرين. الفساد الإداري والمالي الذي نعيشه اليوم هو نتاج تراكمات سنوات، والكثير ممن يرفعون شعارات الإصلاح اليوم كانوا شركاء في صناعة هذا الواقع. السياسة تحتاج إلى رجال يتحلون بالشجاعة والمسؤولية، لا إلى ممثلين يؤدون أدواراً في مسلسل "الضحك على الذقون". نتمنى على بعض السياسيين أن يقفوا عند المخاطر الحقيقية التي تهدد العراق، بدلاً من الانشغال بتصريحات إعلامية زائفة.
الحقيقة المرة
السياسة بالنسبة للكثيرين تحولت إلى مسلسل تشابلني، كوميديا سوداء، أبطالها يظهرون على الشاشات، يطلقون التصريحات النارية، يتبادلون الاتهامات، ثم يختفون إلى الدورة الانتخابية القادمة، بينما الشعب ينتظر من يسمع صوته الحقيقي.
المواطن يقولها بصراحة ومرارة: "لا أبنائنا استفادوا من حنان، ولا حنان أدرى بحنوني". وهي عبارة تلخص مرارة التجربة العراقية بكاملها: سياسيون يعيشون في أبراج عاجية، يتحدثون باسم الشعب، لكن الشعب لا يرى منهم إلا تصريحات عابرة، بينما تبقى قضاياه الحقيقية: الفساد المستشري، البطالة القاتلة، الخدمات المتدهورة، دماء الشهداء التي لم تأخذ حقها، في ذيل الاهتمامات
خاتمة: السياسة الحقيقية ليست تصريحات
السياسة الحقيقية ليست تصريحات إعلامية تتصدر المشهد لساعات ثم تذوي. ليست مناصب متعددة تتنقل بينها الوجوه نفسها. ليست استجوابات برلمانية شكلية تنتهي بلا نتائج. السياسة الحقيقية هي ما يلمسه المواطن في حياته اليومية: أمن وأمان، خدمة كهرباء وماء وصحة وتعليم، فرصة عمل تليق بكرامته، عدالة اجتماعية، ومحاسبة صارمة للمقصرين والفاسدين.
إلى حين أن يتحول الخطاب السياسي من "تقسيم الكعكة" إلى خدمة المواطن، وإلى حين أن يصمت السياسيون عن مآسينا ويتحدثوا عن همومنا الحقيقية، سيبقى المشهد العراقي مجرد كوميديا شيرلي شابلن، نضحك منها لئلا نبكي، ونبكي فيها لأننا نعيشها يومياً.
رحم الله شهداء سبايكر، وحفظ الله أبناء العراق من فساد الفاسدين وصمت الصامتين.
حيدر الشبلاوي
سياسي من أبناء الانتفاضة الشعبانية عام 1991
١٥/ ٣ /٢٠٢٦
بقلم: حيدر الشبلاويسياسي من أبناء الانتفاضة الشعبانية عام 1991
مقدمة: من هي حنان الفتلاوي؟
الدكتورة حنان سعيد محسن الفتلاوي، سياسية عراقية من محافظة بابل، من مواليد عام 1968. تحمل شهادة البكالوريوس في الطب من جامعة بغداد، ودبلوماً عالياً في الأمراض الجلدية. دخلت المعترك السياسي عام 2004 كعضوة في المجلس الوطني العراقي المؤقت، وكانت الممثلة الوحيدة لمحافظة بابل في ذلك المجلس.
تدرجت الفتلاوي في المناصب السياسية على مدى أربع دورات برلمانية متتالية، فكانت عضوة في الجمعية الوطنية الانتقالية التي كتبت الدستور العراقي عام 2005، ورئيسة لجنة شؤون الأقاليم والمحافظات، ثم مستشارة لرئيس الوزراء نوري المالكي لشؤون الأقاليم والمحافظات. في انتخابات عام 2010، فازت بعضوية البرلمان عن ائتلاف دولة القانون، وفي انتخابات عام 2014 تصدرت جميع المرشحين في محافظة بابل، كما كانت المرأة الوحيدة ضمن المرشحين العشرة الأوائل على مستوى العراق. وفي عام 2015، أسست حركة "إرادة" لتصبح أول امرأة عراقية تقود حركة سياسية في البلاد.
المناصب التي شغلتها حنان الفتلاوي
تولت الفتلاوي على مدى سنوات عملها السياسي العديد من المناصب، منها عضوية المجلس الوطني المؤقت، وعضوية الجمعية الوطنية الانتقالية ورئاسة لجنة الأقاليم والمحافظات، ثم مستشارة لرئيس الوزراء لشؤون الأقاليم والمحافظات، وعضوية مجلس النواب لعدة دورات متتالية، وعضوية لجنة العلاقات الخارجية، ورئاسة لجنة الصداقة العراقية البريطانية، إضافة إلى تأسيسها وقيادتها لحركة إرادة.
هذه قائمة طويلة من المناصب، تمتد لأكثر من عقد ونصف من العمل السياسي المتواصل. لكن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط بمرارة: ماذا قدمت حنان الفتلاوي لأبناء العراق؟
استجوابات برلمانية بلا نتائج
صحيح أن الفتلاوي كانت من النساء البرلمانيات اللواتي شكلن تحدياً لرئاسة البرلمان، واشتهرن بلقب "سرب الصقور" النسائي. وصحيح أنها أجرت استجوابات للمفوضية العليا للانتخابات، وكانت تتدرب على ذلك بتمثيل دور رئيس المفوضية مع أحد أبنائها في منزلها. لكن أين ذهبت نتائج هذه الاستجوابات؟ هل غيرت واقع المواطن العراقي؟ هل حاسبت الفاسدين؟ هل استرجع المال المنهوب؟
الجواب الصادق: لا. بقيت تلك الاستجوابات حبيسة أروقة البرلمان، تتحول إلى عناوين صحفية تتصدر المشهد لساعات، ثم تختفي كما يختفي دخان المسرحية السياسية الهزلية.
أصوات انتخابية بلا مشاريع
في انتخابات عام 2014، حصلت الفتلاوي على عدد كبير من الأصوات، متقدمة على جميع المرشحين في محافظة بابل. هذا الرقم يعكس ثقة هائلة من المواطنين، ويحمل مسؤولية كبرى تجاه من منحوها أصواتهم. لكن ماذا قدمت لهؤلاء؟ أين مشاريع الإعمار في بابل؟ أين المستشفيات التي بنتها؟ أين المدارس؟ أين فرص العمل للشباب العاطلين؟
المرارة التي يعيشها أبناء بابل اليوم لا تختلف عن مرارة أبناء المحافظات الأخرى: خدمات متدنية، بطالة متفشية، فساد مستشري. وكل الذي تبقى من كل تلك الأصوات هو مجرد ذكريات لدورات انتخابية مضت.
صعدوا على أكتاف دولة القانون وأساؤوا إليها
هنا لا بد من وقفة تأمل: كثير من السياسيين، ومنهم الفتلاوي، صعدوا إلى الواجهة السياسية بفضل دولة القانون والكتلة الأكبر التي قادها رئيس الوزراء الأسبق السيد نوري كامل المالكي. لقد كان ائتلاف دولة القانون هو الرافعة التي حملتهم إلى قبة البرلمان وإلى المناصب التنفيذية والتشريعية. لكن المفارقة المؤلمة أن هؤلاء أنفسهم، بعد أن نالوا ما نالوا من مقاعد وأصوات، أساؤوا إلى دولة القانون وإلى تاريخها، إما بصمتهم عن الفساد الكبير، أو بانخراطهم في صفقات ومحاصصات بعيدة عن مشروع الإصلاح الذي قامت عليه الدولة.
السيد نوري المالكي جاء بالكتلة الأكبر في انتخابات عام 2010 وفي انتخابات عام 2014، واستطاع أن يشكل حكومات في ظروف بالغة الصعوبة، وكانت دولة القانون هي العمود الفقري للعملية السياسية. لكن بعض الذين تربعوا على مقاعد البرلمان والوزارات بفضل هذه الكتلة، لم يحافظوا على أمانة الدم والأصوات، بل انشغلوا بتقسيم المغانم، وتركوا الملفات المصيرية تائهة بين المصالح الشخصية والحزبية.
اليوم، ونحن نرى تراجعاً في أدوار الإطار التنسيقي، وتشرذماً في المواقف، وتأخيراً في تشكيل الحكومة، لا بد من التساؤل: لماذا يتراجع من كانوا بالأمس في طليعة الصفوف؟ الإجابة تكمن في أن هؤلاء افتقدوا مشروعاً وطنياً واضحاً، وتحولوا إلى لاعبين في سوق المناصب. كل من صعد بفضل دولة القانون وسمعتها مطالب اليوم بمراجعة تاريخه، وألا يرمي الكرة في ملعب الآخرين دون أن يحاسب نفسه أولاً.
السياسة لها رجالها الحقيقيون، وليست كوميديا هزلية ولا مسلسل "الضحك على الذقون". نتمنى على بعض السياسيين الذين ظهروا على الساحة باسم دولة القانون أن يراجعوا أنفسهم، وأن يقفوا عند مسؤولياتهم تجاه المخاطر التي تهدد البلاد، وتجاه الفساد الإداري والمالي المستشري، بدلاً من الانشغال بتصريحات إعلامية عابرة لا تقدم ولا تؤخر.
ازدواجية المعايير: بين خطاب "سلامة الأبناء" والصمت عن الفساد والدم
رسالتها للإطار التنسيقي
في رسالتها للإطار التنسيقي، تطالب الفتلاوي بتشكيل الحكومة لأجل سلامة أبنائنا. خطاب يبدو إنسانياً في ظاهره، لكنه يتجاهل أن الإطار التنسيقي نفسه، الذي يضم ائتلاف دولة القانون الذي كانت الفتلاوي عضوة فيه، هو جزء أصيل من المشكلة وليس الحل. كيف تطالب من تعتبرهم شركاء في المسؤولية بالإسراع في تشكيل حكومة، بينما هم أنفسهم من عطلوا طويلاً؟
الصمت عن الفساد الكبير
أين هي من ملفات الفساد العملاقة؟ هناك تقديرات تشير إلى أن الخسائر في المال العام بسبب التلاعب بآليات استلام وتسليم المشاريع والإعفاءات الضريبية غير القانونية تبلغ أرقاماً هائلة، تكفي لبناء آلاف المدارس والمستشفيات وخلق مئات الآلاف من فرص العمل. لكننا لم نسمع للفتلاوي بياناً واحداً بخصوص هذا الملف، ولا تحقيقاً برلمانياً، ولا استجواباً لوزير أو مسؤول.
المواطن يدفع ثمن غلاء الشقق السكنية وتكلفة البناء الباهظة، بينما المسؤولون يتحدثون عن أنهم مع المواطن وأبنائه. أين أنت من هذه المعادلة يا دكتورة حنان؟
الصمت عن ملفات الدم: سبايكر والمجزرة الصامتة
أين هي من ملفات الدم التي لا تسقط بالتقادم؟ قضية سبايكر، التي راح ضحيتها آلاف من طلاب القوة الجوية الأعزل على يد تنظيم داعش الإرهابي، لا تزال تنتظر محاسبة المسؤولين الحقيقيين. الذين عادوا وهم لهم خيوط الجريمة في هذه القضية لا يزالون في مناصبهم، يتنقلون بين الوزارات والمجالس، وكأن الدم العراقي أصبح رخيصاً.
الفتلاوي، التي كانت مستشارة لرئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، لم تخرج علينا برسالة واحدة تطالب بمحاسبة المسؤولين عن تسليم أبناء سبايكر. لم نسمع صوتها يعلو مطالبة بالقصاص العادل. انشغلت بتقسيم الكعكة والتحاور في المناصب، ونسيت أن هناك أماً تنتظر ابنها منذ عام 2014، وأباً مات قلبه قبل أن يموت جسده على فراق فلذة كبده.
انحيازها لكتلة الإعمار والتنمية: مستقبل الأبناء لا يبنى بالشعارات
الفتلاوي حالياً جزء من ائتلاف الإعمار والتنمية الذي يتزعمه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني. هذا الائتلاف يرفع شعارات براقة عن الإعمار ومكافحة الفساد وبناء الدولة. لكن من يتابع المشهد عن كثب يرى أن مستقبل أبنائنا لا يبنى بطريق كتلة الإعمار والتنمية.
فشعارات الإعمار تبقى حبيسة البيانات الصحفية والمؤتمرات السياسية، بينما الفساد مستشر في مفاصل الدولة، والخدمات تتردى يوماً بعد يوم، والمواطن يدفع الفاتورة غالية. الفرق بين كتلة الإعمار والتنمية وغيرها من الكتل الشيعية والكردية والسنية هو فرق في الاسم فقط، أما الجوهر فهو واحد: محاصصة، منافع، وغض طرف عن الدم والمال العام.
السياسة ككوميديا شيرلي شابلن: لماذا هذا التشبيه دقيق؟
عندما نشبه المشهد السياسي العراقي بكوميديا شيرلي شابلن (تشارلي تشابلن)، فإننا لا نبالغ ولا نجامل. تشابلن، ذلك الممثل البريطاني العبقري، برع في تقديم الكوميديا السوداء التي تسخر من المأساة الإنسانية تحت وطأة الأنظمة والسياسات الفاشلة. في أفلامه الخالدة مثل "الأزمنة الحديثة" و"الديكتاتور العظيم"، كان الأبطال يدورون في حلقة مفرغة، يركضون بلا هدف، يضحكون والدمعة في أعينهم، والمشاهد يضحك باكياً.
هذا هو بالضبط ما نشهده في السياسة العراقية عموماً، وفي مسيرة حنان الفتلاوي خصوصاً:
تكرار المشاهدفي أفلام تشابلن، تتكرر نفس المواقف الكوميدية التراجيدية. في السياسة العراقية، تتكرر نفس الأزمات مع كل دورة انتخابية: تأخير تشكيل الحكومة، خلافات على المناصب السيادية، اتهامات متبادلة بين الكتل، ثم انتهاء الدورة البرلمانية دون إنجاز يذكر. نفس الفيلم يعاد عرضه كل أربع سنوات.
شخصيات كاريكاتيريةتشابلن كان يجيد رسم شخصيات كاريكاتيرية تعاني من التناقض الصارخ بين أقوالها وأفعالها. الفتلاوي، التي كانت جزءاً من حكومات سابقة يشير كثيرون إلى أنها وضعت الأسس الأولى لتفشي الفساد والمحاصصة الطائفية، تخرج اليوم تطالب الإطار التنسيقي بتشكيل حكومة لأجل سلامة الأبناء. ألم تكن هي جزءاً من حكومات سابقة فشلت في تحقيق هذه السلامة؟ أليس هذا هو التناقض عينه؟
الضحك على الذاتكوميديا تشابلن تجعلنا نضحك على المأساة، لكن الضحكة تتحول إلى دمعة عندما ندرك أن هذه المأساة حقيقية وليست تمثيلاً. عندما نرى سياسياً يدافع اليوم عن شعارات كان بالأمس جزءاً من إخفاقها، وعندما نسمع خطابات حماسية عن مكافحة الفساد من شخص صمت عن خسائر فادحة في المال العام، لا يسعنا إلا أن نضحك باكين.
نقد السلطة بصمتتشابلن كان ينتقد الديكتاتورية والأنظمة الفاشلة بأفلام صامتة أحياناً، تعتمد على الإيماءات وتعبيرات الوجه أكثر من الكلمات. في العراق، الصمت الأكبر هو صمت السياسيين عن ملفات الفساد والدم، بينما ينشغلون بتصريحات إعلامية لا تغني ولا تسمن من جوع. صمت الفتلاوي عن قضية سبايكر وعن خسائر المال العام هو صمت تشابلني بامتياز: صمت يصمت فيه الضمير، ويصرخ فيه الفراغ.
خلاصة: لا أبنائنا استفادوا من حنان، ولا حنان أدرى بحنوني
بعد أكثر من عقد ونصف من العمل السياسي المتواصل، يمكن القول بكل موضوعية ومسؤولية:
المنجزات الملموسةلا توجد مشاريع خدمية أو تنموية أو تشريعية كبرى يمكن أن تنسب إلى حنان الفتلاوي وتغير واقع المواطن العراقي. كل ما قدمته هو حضور إعلامي، وتصريحات هنا وهناك، واستجوابات لم تكتمل، وبيانات لم تترجم إلى أفعال.
التصريحات الإعلاميةتصريحات حنان الفتلاوي كثيرة، متنوعة، وأحياناً جريئة، لكنها تبقى في إطار "الطشة" الإعلامية. تخرج فتصرخ وتنتقد، ثم تعود إلى صمتها، وكأن شيئاً لم يكن. لا متابعة، لا محاسبة، لا ضمير.
ازدواجية المعاييرتطالب اليوم الإطار التنسيقي بتشكيل الحكومة، وهي التي كانت جزءاً من حكومات سابقة كان أداؤها موضع انتقاد. تتحدث عن سلامة الأبناء وتسكت عن المسؤولين عن مجزرة سبايكر. تدافع عن مكافحة الفساد ولم يصدر عنها بيان واحد بخصوص خسائر المال العام التي تتحدث عنها التقارير.
مسؤولية من صعدوا على كتلة دولة القانونكل من صعد بفضل دولة القانون وسمعتها يجب أن يراجع تاريخه بدلاً من رمي الكرة في ملعب الآخرين. الفساد الإداري والمالي الذي نعيشه اليوم هو نتاج تراكمات سنوات، والكثير ممن يرفعون شعارات الإصلاح اليوم كانوا شركاء في صناعة هذا الواقع. السياسة تحتاج إلى رجال يتحلون بالشجاعة والمسؤولية، لا إلى ممثلين يؤدون أدواراً في مسلسل "الضحك على الذقون". نتمنى على بعض السياسيين أن يقفوا عند المخاطر الحقيقية التي تهدد العراق، بدلاً من الانشغال بتصريحات إعلامية زائفة.
الحقيقة المرةالسياسة بالنسبة للكثيرين تحولت إلى مسلسل تشابلني، كوميديا سوداء، أبطالها يظهرون على الشاشات، يطلقون التصريحات النارية، يتبادلون الاتهامات، ثم يختفون إلى الدورة الانتخابية القادمة، بينما الشعب ينتظر من يسمع صوته الحقيقي.
المواطن يقولها بصراحة ومرارة: "لا أبنائنا استفادوا من حنان، ولا حنان أدرى بحنوني". وهي عبارة تلخص مرارة التجربة العراقية بكاملها: سياسيون يعيشون في أبراج عاجية، يتحدثون باسم الشعب، لكن الشعب لا يرى منهم إلا تصريحات عابرة، بينما تبقى قضاياه الحقيقية: الفساد المستشري، البطالة القاتلة، الخدمات المتدهورة، دماء الشهداء التي لم تأخذ حقها، في ذيل الاهتمامات
خاتمة: السياسة الحقيقية ليست تصريحات
السياسة الحقيقية ليست تصريحات إعلامية تتصدر المشهد لساعات ثم تذوي. ليست مناصب متعددة تتنقل بينها الوجوه نفسها. ليست استجوابات برلمانية شكلية تنتهي بلا نتائج. السياسة الحقيقية هي ما يلمسه المواطن في حياته اليومية: أمن وأمان، خدمة كهرباء وماء وصحة وتعليم، فرصة عمل تليق بكرامته، عدالة اجتماعية، ومحاسبة صارمة للمقصرين والفاسدين.
إلى حين أن يتحول الخطاب السياسي من "تقسيم الكعكة" إلى خدمة المواطن، وإلى حين أن يصمت السياسيون عن مآسينا ويتحدثوا عن همومنا الحقيقية، سيبقى المشهد العراقي مجرد كوميديا شيرلي شابلن، نضحك منها لئلا نبكي، ونبكي فيها لأننا نعيشها يومياً.
رحم الله شهداء سبايكر، وحفظ الله أبناء العراق من فساد الفاسدين وصمت الصامتين.
حيدر الشبلاويسياسي من أبناء الانتفاضة الشعبانية عام 1991١٥/ ٣ /٢٠٢٦