
مقدمة
ما لم يعد صامتاً، وما لم يعد الأمن المائي مجرد كلمة في خطابات الوزراء، ها هو وزير الموارد المائية العراقي الأسبق عون ذياب، الذي شغل المنصب في حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، يعترف صراحةً بتسريب مواد سامة إلى الأنهار لعدة أشهر بل ربما أكثر. إن اعتراف وزير سابق كان يتحمل المسؤولية المباشرة عن حماية الثروة المائية للبلاد بارتكاب جريمة بيئية هو بحد ذاته تجسيد حي للإهمال والتقصير الحكومي.
إن المادة الثالثة والثلاثين من الدستور العراقي تكفل لكل فرد حق العيش في ظروف بيئية سليمة وتلزم الدولة بحماية البيئة والتنوع الأحيائي. هنا نطرح السؤال المحوري: إن كان الوزير ذاته يقر بوجود تسريبات سامة، فأين كانت الحكومة التي كان جزءاً منها طوال هذه الفترة؟ ولماذا لم يتم إجراء التحقيقات اللازمة ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة؟
أولاً: تصريح الوزير بوصفه اعترافاً قضائياً لا مجرد تصريح إعلامي
إن ما صدر عن وزير الموارد المائية ليس رأياً أو تحليلاً، بل هو اعتراف صريح بوجود مادة سامة تُضخ في أنهارنا منذ شهور. هذا التصريح يُعد دليلاً مادياً ومعنوياً على وقوع جريمة بيئية. وقد أكدت مصادر رسمية أن وزارة الموارد المائية بدأت باتخاذ إجراءات قانونية ضد الجهات المتسببة بتلويث الأنهار.
وفي تأكيد خطير آخر، حذر المرصد الأخضر العراقي من أن نهر دجلة يحتوي على مواد عضوية خطيرة للغاية تهدد الصحة العامة في أربع محافظات رئيسية هي بغداد وواسط وميسان والبصرة. تشمل هذه الملوثات مركبات ثنائي الفينيل متعدد الكلور والفثالات والمركبات العضوية المتطايرة، التي تسبب السرطان وأضراراً في الكبد والكلى واضطرابات في الغدد الصماء.
وقد كشف الخبير البيئي مرتضى الجنوبي أن تصريف المخلفات الصناعية ومياه الصرف الصحي غير المعالجة أدى إلى تدهور نوعية المياه وانخفاض مستويات الأوكسجين المذاب، مما تسبب بنفوق الأسماك واضطراب النظام البيئي المائي. بل إن أحد التقارير الحكومية عن جودة مياه دجلة قد حُجب بالكامل لأن نتائجه أظهرت كوارث لا يمكن الكشف عنها.
ثانياً: الجريمة الدستورية والقانونية ومن يتحمل المسؤولية
من الناحية الدستورية، تتحمل الحكومة العراقية برمتها المسؤولية الأولى عن هذه الجريمة. فالدستور يلزم الدولة بحماية البيئة، وأي إخلال بهذا الالتزام يشكل خرقاً دستورياً. أما قانونياً، فينص قانون حماية وتحسين البيئة رقم سبعة وعشرين لسنة ألفين وتسعة على معاقبة كل من تسبب في تلويث البيئة، وتصل العقوبات إلى السجن لمدد تتراوح بين ثلاث سنوات وعشر سنوات للملوثين المتعمدين، وقد تزيد في حال تسبب التلوث بوفيات أو أمراض خطيرة.
إذن، لماذا لم يُفتح تحقيق برلماني فوري؟ لماذا لم تستدعَ اللجان النيابية ومنها لجنة الزراعة والمياه والبيئة الوزير السابق للاستجواب حول تقصيره؟ أليس من واجب هذه اللجان تفعيل الرقابة على أداء الوزراء ومحاسبتهم عن أي إهمال في أداء مهامهم الدستورية؟ إن صمت اللجان النيابية حتى الآن يعد تواطؤاً في هذه الجريمة.
ثالثاً: قراءة أكاديمية في الأسباب والجذور
من منظور أكاديمي بحثي، يمكن تشخيص أسباب هذه الكارثة البيئية على النحو الآتي.
السبب الأول هو غياب البنى التحتية المعالجة. تعاني المدن العراقية من محطات معالجة مياه صرف صحي مهترئة وغير كافية، مما يجعل تصريف المياه غير المعالجة مباشرة إلى الأنهار هو الخيار السهل.
السبب الثاني هو إهمال الرقابة على المصادر الصناعية. تتسبب المصانع والمعامل في إلقاء مخلفاتها الكيميائية في النهر دون رادع، في ظل غياب نظام رقابي فعال.
السبب الثالث هو ضعف القوانين البيئية وتطبيقها. رغم وجود قانون البيئة رقم سبعة وعشرين لسنة ألفين وتسعة، إلا أن التطبيق العملي شبه معدوم بسبب ضعف الإرادة السياسية وتداخل الصلاحيات.
السبب الرابع هو الإهمال الحكومي الممنهج. لا يمكن تفسير استمرار التلوث لأشهر كاملة دون تدخل جاد من الحكومة إلا بوصفه إهمالاً متعمداً وتقصيراً جنائياً.
رابعاً: أفضل الممارسات الأكاديمية والحلول الميدانية
في مجال الدراسة الأكاديمية، أقترح إجراء دراسة شاملة بعنوان "تقييم تأثير الملوثات العضوية الثابتة والمعادن الثقيلة في مياه نهري دجلة والفرات على الصحة العامة والأمن الغذائي في العراق"، مع التركيز على محافظات الوسط والجنوب كحالة دراسة. تعتمد هذه الدراسة على التحليل الكيميائي لعينات المياه من مواقع متعددة على امتداد النهرين، وتقييم المخاطر الصحية باستخدام نماذج التقييم العلمية، وربط النتائج بالبيانات الوبائية للأمراض المرتبطة بالتلوث. ومن المتوقع أن تخرج الدراسة بخريطة دقيقة للملوثات ومصادرها، وتصنيف المناطق الأكثر خطورة، ووضع أولويات التدخل.
أما الحلول التقنية والميدانية فتشمل تحصين مياه الأنهار باستخدام تقنيات النانو في معالجة المياه، وإنشاء محطات معالجة مركزية بتقنيات الأغشية المتقدمة كالتناضح العكسي والترشيح النانوي. كما ينبغي تطبيق المراقبة الذكية عبر تركيب أجهزة استشعار متصلة بشبكات الاتصال لمراقبة جودة المياه في الوقت الفعلي، ونشر نظام إنذار مبكر لأي ارتفاع في الملوثات. إضافة إلى ذلك، يمكن استخدام تقنيات المعالجة الحيوية بالاعتماد على البكتيريا والنباتات المائية كالورد والناي في معالجة الملوثات العضوية ضمن ما يعرف بالأراضي الرطبة الاصطناعية.
خامساً: إلزام المحافظات بالمراقبة الذاتية وإحالة النتائج إلى القضاء
لا يمكن للرقابة المركزية وحدها أن تلمس حجم الكارثة في كل شبر من أرض العراق، لذا فإن أول خطوات العلاج الفعلية تكمن في إلزام كل محافظة عراقية، وبموجب أمر ديواني أو تشريع طارئ، بإجراء تحاليل دورية لمياه أنهارها ومصادرها المائية. يجب أن يكون هذا الإجراء منهجياً وملزماً قانوناً.
تلتزم دائرتا صحة وبيئة كل محافظة، بالتنسيق مع مديريات الموارد المائية المحلية، بأخذ عينات معيارية من مواقع محددة على امتداد النهر مرتين شهرياً على الأقل. وفي حال الاشتباه بالتلوث تصبح العينات أسبوعية. تحلل العينات في مختبرات معترف بها مثل مختبرات وزارة الصحة أو الجامعات الحكومية، لقياس نسب المعادن الثقيلة والمركبات العضوية الثابتة والميكروبات، وفق بروتوكول معتمد.
تقوم كل محافظة بإعداد تقرير كامل يتضمن نتائج التحاليل بالقيم والأرقام مقارنة بالحدود المسموحة عالمياً، بالإضافة إلى خريطة بمواقع أخذ العينات وتصنيف المخاطر إلى أخضر وأصفر وأحمر، مع توثيق الأضرار الصحية أو البيئية المسجلة خلال فترة التحليل كحالات التسمم ونفوق الأسماك.
يسلم هذا التقرير موثقاً ومختوماً إلى قاضي التحقيق المختص في المحافظة لفتح تحقيق جنائي فوري، وإلى دائرة الادعاء العام لاتخاذ الإجراءات القانونية ضد الجهات الملوثة سواء كانت دوائر حكومية معالجة للصرف الصحي أو معامل صناعية أو أي مصدر آخر.
يُعتبر التخلف عن إجراء هذه التحاليل أو التلاعب بنتائجها أو إخفاء التقرير جريمة إهمال جنائي يعاقب عليها المسؤول المحلي من محافظ ومدير صحة ومدير بيئة بالسجن لمدة لا تقل عن سنة، ويعتبر تواطؤاً في الجريمة البيئية الأصلية.
بهذا الإجراء تنتقل المسؤولية من التصريحات الإعلامية إلى الفعل القانوني القضائي، وتتحول المحافظات من متفرج إلى طرف ملاحق ومنفذ. ولن يكون هناك عذر لأي محافظ بعد الآن بالقول "لم أعلم"، لأن العلم سيكون واجباً مفروضاً بتقرير رسمي يحال إلى القضاء. وهذا هو المدخل الحقيقي لإنزال العقوبات الرادعة، سواء بالحدود التعزيرية أو ما يقابل حد القصاص في القانون الوضعي بحق من تسبب بموت الأبرياء جراء تسميم مياه الشرب.
سادساً: المبادرة المقترحة نحو بيئة آمنة قانونياً
أدعو إلى تبني مبادرة أسميها "مبادرة النهر الأمين" التي تقوم على ثلاثة محاور رئيسية.
المحور الأول هو المحور التشريعي. يتضمن تعديل قانون حماية البيئة رقم سبعة وعشرين لسنة ألفين وتسعة ليشمل عقوبات تصل إلى السجن المؤبد للمسؤولين الذين يتسبب إهمالهم في تلويث الأنهار. كما يتضمن إضافة فصل كامل في قانون العقوبات العراقي بعنوان "جرائم الإبادة البيئية"، وتجريم التلويث المتعمد للموارد المائية كجريمة ضد الإنسانية.
المحور الثاني هو المحور الرقابي. يتضمن تشكيل هيئة مستقلة لمراقبة جودة المياه تكون تابعة مباشرة إلى مجلس الوزراء أو البرلمان، لا إلى أي وزارة قد تكون طرفاً في التلوث. كما يتضمن إلزام جميع الوزارات والهيئات بنشر تقارير دورية عن جودة المياه مع إتاحتها للجمهور.
المحور الثالث هو المحور الحقوقي. يتضمن إقرار قانون "حق المواطن في بيئة نظيفة" كحق دستوري قابل للمقاضاة أمام القضاء الإداري، وتفعيل دور المجتمع المدني في الرقابة من خلال منح منظمات البيئة صفة الادعاء المباشر في قضايا التلوث.
خاتمة
لقد قال الله تعالى: "وجعلنا من الماء كل شيء حي". إن المساس بالماء هو مساس بالحياة ذاتها. إن جرائم تلويث الأنهار في العراق ليست مجرد مخالفات بيئية يمكن تغطيتها أو تجاوزها، بل هي جريمة دستورية وقانونية وإنسانية بكل المقاييس. المطالبة بإجراء التحقيقات وإنزال العقوبات القصوى كحد القصاص في القانون الوضعي، أي السجن المؤبد أو الإعدام لمن تسبب بوفيات جراء التلوث، ليست مجرد شعارات بل هي واجب قانوني وأخلاقي.
والسؤال الأخير الموجع: إلى متى سيظل العراقيون يشربون السم بدل الماء، بينما ينام الوزراء والمسؤولون ويلقون باللوم بعضهم على بعض؟ إن الحل يبدأ بمحاسبة المقصرين، وتفعيل القوانين، وإطلاق مبادرات جادة، قبل أن تتحول أنهارنا إلى مقابر جماعية صامتة.
هذه المقالة هي دعوة أكاديمية وقانونية مفتوحة للباحثين والمشرعين والنشطاء لتبني قضية المياه بوصفها قضية وجود وطنية، وتذكير للحكومة الحالية ومجلس النواب بأن دماء العراقيين ومستقبل أطفالهم لن يغفروا التقصير أو التغطية على هذه الجريمة النكراء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
للكاتب والباحث حيدر الشبلاوي.
اكاديمية الامام الخوئي للدراسات الاستيراتيجية والإعلام الاكتروني/ دراسات في البيئة والصحة العامة.
١٠/ ٤/ ٢٠٢٦
مقدمة
ما لم يعد صامتاً، وما لم يعد الأمن المائي مجرد كلمة في خطابات الوزراء، ها هو وزير الموارد المائية العراقي الأسبق عون ذياب، الذي شغل المنصب في حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، يعترف صراحةً بتسريب مواد سامة إلى الأنهار لعدة أشهر بل ربما أكثر. إن اعتراف وزير سابق كان يتحمل المسؤولية المباشرة عن حماية الثروة المائية للبلاد بارتكاب جريمة بيئية هو بحد ذاته تجسيد حي للإهمال والتقصير الحكومي.
إن المادة الثالثة والثلاثين من الدستور العراقي تكفل لكل فرد حق العيش في ظروف بيئية سليمة وتلزم الدولة بحماية البيئة والتنوع الأحيائي. هنا نطرح السؤال المحوري: إن كان الوزير ذاته يقر بوجود تسريبات سامة، فأين كانت الحكومة التي كان جزءاً منها طوال هذه الفترة؟ ولماذا لم يتم إجراء التحقيقات اللازمة ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة؟
أولاً: تصريح الوزير بوصفه اعترافاً قضائياً لا مجرد تصريح إعلامي
إن ما صدر عن وزير الموارد المائية ليس رأياً أو تحليلاً، بل هو اعتراف صريح بوجود مادة سامة تُضخ في أنهارنا منذ شهور. هذا التصريح يُعد دليلاً مادياً ومعنوياً على وقوع جريمة بيئية. وقد أكدت مصادر رسمية أن وزارة الموارد المائية بدأت باتخاذ إجراءات قانونية ضد الجهات المتسببة بتلويث الأنهار.
وفي تأكيد خطير آخر، حذر المرصد الأخضر العراقي من أن نهر دجلة يحتوي على مواد عضوية خطيرة للغاية تهدد الصحة العامة في أربع محافظات رئيسية هي بغداد وواسط وميسان والبصرة. تشمل هذه الملوثات مركبات ثنائي الفينيل متعدد الكلور والفثالات والمركبات العضوية المتطايرة، التي تسبب السرطان وأضراراً في الكبد والكلى واضطرابات في الغدد الصماء.
وقد كشف الخبير البيئي مرتضى الجنوبي أن تصريف المخلفات الصناعية ومياه الصرف الصحي غير المعالجة أدى إلى تدهور نوعية المياه وانخفاض مستويات الأوكسجين المذاب، مما تسبب بنفوق الأسماك واضطراب النظام البيئي المائي. بل إن أحد التقارير الحكومية عن جودة مياه دجلة قد حُجب بالكامل لأن نتائجه أظهرت كوارث لا يمكن الكشف عنها.
ثانياً: الجريمة الدستورية والقانونية ومن يتحمل المسؤولية
من الناحية الدستورية، تتحمل الحكومة العراقية برمتها المسؤولية الأولى عن هذه الجريمة. فالدستور يلزم الدولة بحماية البيئة، وأي إخلال بهذا الالتزام يشكل خرقاً دستورياً. أما قانونياً، فينص قانون حماية وتحسين البيئة رقم سبعة وعشرين لسنة ألفين وتسعة على معاقبة كل من تسبب في تلويث البيئة، وتصل العقوبات إلى السجن لمدد تترا